تحت قدمي أمي.. *جنة*

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

fa15ef5cfd4d9563370149745a3154e4

تحت قدمي أمي جنة

استهللت اليوم الغائم بصداع مرهق، فقد سهرت الليلة الماضية كثيرا للتحضير لبحثي و مع ذلك لا أظنني قد أتقنته جيدا.. ينبغي أن ألقيه اليوم أمام حشد من الطلبة و هذا ما يخيفني.. أرجو أن ينتهي كل شيء على ما يرام..

ابتسمت لأمي التي وضعت صحن الحلوى أمامي لأتناولها أنا ببطء بعد شكرها.. نظرت إلى وجهها المشرق طويلا ثم أفلتُّ اللجام لشفتي أن تقبّلا جبهتها قبلة طويلة قلت بعدها بترج:

أمي.. ادعي لي أن أنجح في إلقاء بحثي اليوم

شيعتني بنظرة هادئة مبتسمة و هي تهمس:

اذهبي يا ابنتي.. وفقك الله

..
..
..

وقفت بمواجهة الحشد الذي بدا لي و كأنه ينتظر فقط ارتجاف شفتي كي ينقض عليّ بالانتقادات و الأسئلة العويصة.. لكن صوتها تردد في خلدي كهمس لذيذ
وفقك الله

أغمضت عينيّ و تفكيري منحصر عند دعائها:

أجل.. إنه دعاء صادق من قلب أم.. لن يرد الله دعاء كهذا.. الله سيوفقني إن وضعت ثقتي الكاملة به و بأمي

هكذا طمأنت نفسي فاستعادت نبضها بعد قراءتي لبعض الآيات و الأدعية.. ثم.. فتحت عيني بثقة أكبر..

..
..

تماما كما تمنيت.. مرّ الأمر كالحلم.. لم يكن شيء في إلقائي ناقصا، فلساني لم يرتجف و القلم لم يهتز في يدي.. و كلامي لم يرتجّ رغم خوفي..

كان كل ذلك بفضل الله ثم دعاء أمي..

عدت إلى المنزل فرحة و أنا أعتزم النوم لما تبقى من ساعات اليوم حتى موعد العشاء.. كنت مرهقة جدا و لهذا غفوت بسرعة على سريري المرتب..

..
..
..

استيقظت على صوت أذان العشاء.. قمت من مكاني لأصلي و أتناول عشائي

جدولي الغذائي غيرُ منتظم مذ استأنفت الدراسة.. و مع ذلك أمي لا تترك شيئا مغذيا و مفيدا إلا و حضّرته لي..

لولا ذاك لما استطعت الحفاظ على صحتي وسط الفوضى التي أعيشها..

وجدت طاولة العشاء الزاخرة تنتظرني فجلست.. و بعد لحظات لحقتني أمي مرتدية مريلة المطبخ.. و ابتسامة عذبة على ثغرها.. لكن شيئا ما نغص عليّ صورتها الجميلة.. لست أعلم ما هو..

جلسنا نأكل معا هذه الأطباق الشهية التي أعدتها أنامل أمي السحرية.. و أمي تتحرى أخبار إلقائي بشوق و فرح لتوفيقي فيه..

و ما إن أنهينا العشاء حتى طلبت مني الذهاب لغرفتي فدراستي تنتظرني.. أما مائدة الأكل فستهتم هي بترتيبها..

كالعادة.. وافقت بسعادة لأن أمي تهتم لدراستي و تهمها راحتي.. لكني قبل أن أغادر، اكتشفت الأمر الذي نغصّ عليّ صورة أمي النضرة قبل قليل..

استوقفت الزمن حولي و أنا أراها تحمل الأطباق و تتجه بها إلى المغسلة.. توقف كل شيء و أنا أراها تسير مولية ظهرها لي..

لا صوت.. لا حركة.. لا همس.. لا نأمة.. و لا حتى طرفة عين

لكن في اللحظة التي أفلت فيها من يدي شريط الزمن ليعود الوقت للجريان.. تحرك كل شيء بسرعة..

نبض قلبي الذي اخترق صداه الآفاق.. عبرة قفزت فارة من عيني و كأنها تستهجنها.. شهقة أفلتت من فمي المفغور.. و نفس مضطرب منع عليّ كل تفكير عدا ما أراه أمامي.. أمي

إن خطوات أمي متثاقلة.. إنها أقرب إلى العرج.. أدنى إلى الألم.. ألزم إلى مقاومة الوجع..

الآن فقط عرفت ما المختلف في وجه أمي..

إنها متعبة لكنها تكابد و بشدة لإخفاء هذا الألم عن ناظري.. و لأني كنت دائما حمقاء، لم أسمع ألمها..

كيف لها ألا تتعب؟؟ كيف لها ألا تتألم؟؟ كيف لها ألا تشعر بالوجع؟؟

كيف لها.. و هي التي مذ ولدتني لم تعرف طعما للراحة.. إنها مذ أهدتني نسمات العالم تمنحني من ندى روحها كي أحس بالفرح..

اعتنت بي في صغري.. حين أجوع.. حين أبرد.. حين أبكي.. حين أمرض..

هي التي تهتم بكل ما يحوم حولي.. هي التي تهدهدني إذا خِفتُ الغيلان التي تسكن القصص..

حتى حين كبرت، لا أزال في نظرها تلك الصغيرة التي يجب أن تقوم أمها بكل شيء نيابة عنها..

فطبخت لي و اهتمت بصحتي و رتبت غرفتي و.. دعت الله ليوفقني في دراستي..

حتى أنها الآن ستغسل الأطباق التي أكلت فيها.. أنا..

و أنا ماذا فعلت غير أنني كنت أشاهدها تفعل كل هذا و ثغري باسم.. لم أعلم أن السنون تمضي في عمرها جالبة لها التعب و الإعياء..

لم أعلم أنني أنا من يجدر بي خدمتها الآن لا هي..

لم أعلم أن كل ما يجب أن أستجديه منها الآن هو الدعاء و البسمة الدافئة..

ركضت نحوها بشوق غبائي الذي غلفني كل هذه السنوات.. انتزعت الأطباق من يدها إلى المغسلة التي بجانبها ثم عانقتها بشدة و دموعي تغسل وجهي:

سامحيني يا أمي.. سامحيني

و مع أنني لم أقل أكثر من هذا إلا أن أمي بدت و كأنها فهمت كل ما جال بفكري في تلك الثانية المتوقفة.. فضمتني إلى صدرها الحنون بحرارة لتبعث في نفسي خجلا عظيما من نفسي..

..
..
..

استريحي يا أمي.. أنا من سيهتم بك اليوم.. قدماك تؤلمانك صحيح؟؟

أومأت إيجابا و نفس الابتسامة العذبة مرسومة على محياها الجميل.. الحبيب..

استرسلت في دلك قدميها و أنا أمسحهما من حين لآخر بزيت الزيتون حتى أنزع عنهما التعب و الألم.. فقد كانت أمي تفعل ذلك لي كلما مررت بيوم متعب.. خجلت من هذا.. كيف لي أن أعوض لها تعب سنين من عمرها أدتها في خدمة عمري..

يا لحمقي.. كيف لم أسمع نداء قلبك المتعب كل هذه الأعوام أمي؟

بصوتها الهادئ الرنان أتتني إجابة بقدر ما أخجلتني كانت في طياتها راحة كبيرة لي:

لم تسمعيه لأنه لم يكن موجودا أصلا.. فحتى لو كان جسدي متعبا من خدمتك، فقلبي يرقص طربا كلما شاهدتُ راحتك لخدمتي.. أنت ابنتي وليدة رحمي و بذرة قلبي، فلا تنسي

ابتسمت فرحا لهذا المقدار الهائل من الحب الذي يكنه قلب الأم لوليدها.. و فرحت أكثر لإحساسي بهذا الحب الذي تغدقني أمي به..

واصلت دلك قدميها بسعادة و نشاط.. لم أشعر بالتعب و لا الإرهاق، فهذه أقدام أمي..

توقفت قليلا بعد وقت لم أحسبه، لأجد أمي نائمة بتعب لكن ابتسامتها لا تزال تزين ثغرها.. فقررت الاستلقاء قليلا قبل أن أواصل عملي الذي اعتزمته حتى الصباح..

وضعت رأسي عند قدمي أمي.. كان الأمر مريحا، و لم تكن الرائحة المنبعثة رائحة زيت الزيتون، بل هي رائحة مسك عطرة تسلب الألباب.. أسبلت جفنيّ قليلا و إذا بي أرى ما لم أره في أجمل أحلامي نضرة و زهوا..

بساتين خلابة.. خضرة أخاذة.. رياحين جذابة.. روائح العطر و الشذى..

أصوات التغريد و الخرير.. أصوات الزقزقة و الحفيف..

و أجمل منها.. صوت عذب يناديني:

سها.. قومي يا ابنتي

إنه صوت أمي الذي فاق أعذب الأصوات بهاءً:

سها حبيبتي.. استيقظي إنها صلاة الفجر

فتحت عيني ببطء لأرى وجهها الباسم يرقبني.. و ما إن تأكدت أنني استيقظت حتى قالت ضاحكة:

سها.. لِمَ نمتِ هنا؟ طريقة نومك هذه غير مريحة

تلفتُّ حولي لأجد أنني كنت مستلقية بإهمال عند طرف سرير أمي.. و أمام قدميها.. ابتسمت بفرح و أجبت:

بالعكس.. لقد كنت نائمة في الجنة

تمت بحمد الله

بقلم: سمية بن عبد الله فقير 

بتاريخ: 08/02/2012

maxresdefault

تحت قدمي أمي.. *جنة*


ذات ليلة اجتاحني أرق طويــــل و لم أرغب في تضييع وقته متقلبة في الفراش

فأمسكت حاسوبي المدلل و رحت أنقر على أزراره دون توقف

ابتداء من الساعة الواحدة حتى الساعة الثانية إلا ربع صباحا.. و الكل نيام

أتمنى أنكم استمتعتم بقراءتها ^_^

و صل اللهم و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه إلى يوم الدين

خلف آلة بيع القهوة

55116

خلف آلة بيع القهوة

أصدرت الفكة داخل محفظة نقودي صوتا يتوسلني أن أخرجها فهي هناك منذ الصباح و لم أبتع بها شيئا يذكر، بل لم أستعملها إلا لتذاكر الحافلة.. كان الأمر محرِجا بالنسبة لفتاة تهتم بالمظاهر مثلي أن تخرج الفكة بدلا من الأوراق النقدية من حقيبتها، و نقمت على الحظ الذي جعل مصروفي اليوم على شكل قطع بدل ورقتين كالعادة.. إن أبي يتعمد إحراجي حتما..

حاولت إخفاء ضجيج القطع النقدية بالتقليل من سرعة مشيي إلى أن مررتُ بجانب آلة لبيع القهوة فتوقفت بسرور لإيجادي شيئا بإمكانه احتواء  بعض من هذه القمامة من المعادن المستديرة الصغيرة بدلا من محفظة نقودي.. لم تكن بي رغبة لشرب أي شيء، لكن الجو البارد يغري ببعض القهوة الساخنة..

وضعت ثلاث قطع داخل الفتحة الصغيرة للآلة ثم ضغطت على زر القهوة السوداء و بقيت أنتظر.. أتاني صوت من خلفي لطفلة تسائل أمها بتلقائية:

“ماما.. من يصنع شراب الشوكولا داخل هذه الآلة؟”

أعطتها الأم إجابة أنا نفسي استغربتها مع أنها المناسبة لعقل أي طفل:

“إنها السيدة شوكولا”

لم تكتفِ الفتاة بإجابتها بل سألت ثانية:

“و من يصنع القهوة التي تأخذينها منها؟”

لم يتمالك فضولي نفسه فدفع برأسي للخلف لأرى السائلة الصغيرة و قد قرصت الأم خديها الممتلئين مداعبة:

“إنها السيدة قهوة يا صغيرتي”

تابعت الطفلة أسئلتها بينما عدتُ أنا بنظري إلى الآلة الحمراء أتخيل أشكال السيدة شوكولا و السيدة قهوة التي تعد لي قهوتي الآن.. حدقت مطولا في الزر الأحمر الذي يعلو فتحة النقود و بدا أنه يتوهج بشكل أكبر من المعتاد.. حتى أن توهجه كان يتسبب لي بحرقة في عيني ففركتهما لأستعيد توازن بصري الذي انجذب للنعاس فجأة.. لكني حين فتحت عيني و بشكل خرافي كان كل شيء قد تغير.. نظرتُ حولي لتستعمر الصدمة كياني و تتسارع دقات قلبي مرسِلة أسئلة عديدة أولها:

“أين أنا؟ !!”

كان المكان أشبه بمدينة ملاهٍ تعبق بروائح الحليب و القهوة و الشاي و الشوكولا.. شلالات من ألوان مختلفة و أنهار تصب في بحيرات على شكل قدور قد امتزجت في نكهات و ألوان متعددة.. أما الأرض فكانت بيضاء تشبه السكر.. كان الأمر شبيها بالأساطير و الخرافات و تساءلت بهمس:

“أين أنا؟”

ما إن طرحتُ السؤال حتى سمعت خلفي إجابته:

“أنتِ في مدينة آلة القهوة”

التفتّ لأجد امرأة ببشرة سوداء و ملامح مسالمة هادئة فسألتها باستغراب:

“مدينة.. آلة القهوة؟”

أومأت مجيبة:

“أجل.. مدينة آلة القهوة.. هل استغربتِ الأمر؟ أنتِ داخل آلة بيع القهوة التي ترغبين بالشراء منها”

أشارت إلى ثلاث نسوة يقفن غير بعيد عنا و قالت:

“هؤلاء هنّ صديقاتي هنا و زميلاتي في العمل أيضا.. أنا السيدة قهوة”

“السيدة قهوة !!!”

شهقت مذهولة التفكير و أنا لا أعلم إن كنتُ قد تأثرت أكثر من اللازم بكلمات المرأة منذ قليل لطفلتها..

“أجل، أنا السيدة قهوة”

أشارت إلى المرأة بنية البشرة معرفة:

“و السيدة شوكولا”

ثم صاحبة الوجه المحمر:

“السيدة شاي”

و أخيرا كانت المرأة ناصعة البياض:

“و هذه السيدة حليب”

ابتسمت مواصلة حديثها:

“نحن الأربع ندير العمل في هذه المدينة.. كل واحدة منا تمتلك شلالا من الشلالات الأربعة.. تهتم به و تعتني بنظافته و درجة حرارته و أخيرا تقدم منه للزبائن في أحسن صورة و أشهى نكهة”

لوحت بيدها ناحية منحدر تعلوه بعض النقاط المضيئة و أردفت:

“من ذلك المنحدر تأتينا نقود الزبائن.. الفكة و القطع النقدية المعدنية التي تزدرينها هي زادنا و رزقنا الذي نكسبه بعرق جبيننا”

فهمت ما ترمي إليه فطأطأت رأسي محرجة و أنا أرى نظراتهن العاتبة نحوي.. أكملت السيدة قهوة شرحها:

“و تلك النقاط المضيئة هي ما يقابل أزرار الطلب في الآلة فنلبي لهم طلباتهم”

نظرتُ بانبهار من حولي لتسلبني روعة المكان و نشاطه بالرغم من أن عاملاته أربع نسوة فقط.. لقد كنّ يعملن بجد لتأدية أعمالهن و تنسيقها مع بعضهن البعض.. طلبات كثيرة و نشاط أكثر “قهوة سوداء.. قهوة بالحليب.. حليب بالشوكولا.. شاي بالحليب”.. عديدة هي النكهات التي كانت في هذه المدينة الصغيرة.. لاحظت السيدة قهوة انبهاري فخرج صوتها دافئا كدفء جو مدينتها:

“أأدركتِ الآن يا ابنتي أن خلف كل آلة أناسًا يعملون بجد؟”

أومأت برأسي إيجايا و الخجل من نفسي يملأ نفسي و أنا أسمع عتابها المبطن في كلماتها التي حملت نكهة القهوة، مرة لكنها لذيذة و منبهة.. استمررت بمشاهدة العمل الدؤوب حولي دون أن أنتبه للصوت الذي كرّر مناديا:

“قهوتكِ جاهزة.. قهوتكِ جاهزة يا آنسة”

استدرت خلفي لأرى المرأة الواقفة مع ابنتها كثيرة الأسئلة تناديني:

“يا آنسة، ألن تأخذي قهوتكِ؟”

نظرتُ إلى الشارع من حولي لأدرك أنني ما أزال واقفة في مكاني أمام آلة بيع القهوة و المرأة خلفي تنتظر دورها.. حملتُ كوب القهوة الساخن و قلتُ لها بصوت طوى في نبرته أسرار رحلتي إلى المدينة العجيبة:

“و كأن إعداد كوب القهوة استغرق وقتا أطول من المعتاد، أليس كذلك؟”

ابتسمت المرأة بتردد أوضح لي أنها لم تفهم مقصدي، بينما انحنيت أنا نحو الفتاة الصغيرة و أعطيتها آخر قطعة نقدية بقيت في محفظتي و قلتُ لها:

“اشتري لكِ كوبا من شراب الشوكولا.. أنا متأكدة أن السيدة شوكولا ستعد لكِ ألذ ما لديها”

ابتسمت الطفلة ببراءة أسعدتني فنظرتُ إلى الآلة مودعة دون أن أستغرب رؤيتها تغمز لي باسمة و أقصى يقيني أن تلك كانت ابتسامة السيدة قهوة..

استأنفت طريقي أرشف بحبور من كأس القهوة الدافئة في هذا الجو البارد متذكرة كلامها

“خلف كل آلة أناس يعملون بجد”

نظرتُ إلى الشارع متأملة أنواعا مختلفة من البشر و أصنافا عديدة من المهن.. فعلا هنالك من يعمل بتفانٍ خلف كل آلة و عليّ أن أقدرهم و أحترم أعمالهم.. حمدت ربي و أنا أوجّه خطواتي نحو المنزل لأقبل رأس أبي الإسكافي الذي عمل بجدٍّ و تفانٍ خلف آلتي المطرقة و السندان حتى يعطيني مصروف اليوم.

تمت بحمد الله

19/01/2013

هذه قصتي القصيرة التي أنجبها خيالي حينما كنت مع صديقاتي نشتري القهوة من آلة بيع القهوة الجديدة في الجامعة.. حين نطقت إحدى صديقاتي (ماذا لو أن هنالك امرأة في الداخل؟….)

طال الحديث بعدها و تشعب و أنا بقيت عالقة في المرأة التي تعد لنا القهوة داخل الآلة، فهل أعجبتكم؟

^_^

و صل اللهم و سلم على سيدنا محمد و آله و صحبه إلى يوم الدين

ورود و مزهرية

TF209-3

“مرض الحبيب فعدته ..  فمرضت من حذري عليه

شفي الحبيب فعادني .. فبرئت من نظري إليه”

الإمام الشافعي

_ ____ _

مرضتُ فأتى يزورني و بين يديه باقة صغيرة من الورود قد تزينت برذاذ لامع من ابتسامته.. سألني:

“أين يمكنني أن أضع الأزهار؟”

 

فأشرت إلى مزهرية كبيرة فاخرة لم تلبث ثوانٍ قليلة حتى ضمت تلك الوردات التي -من قِلـّتِها- غاصت وسط زخرفة المزهرية.. بان الامتعاض على وجهه و هو يردد بحرج:

“أنا آسف لأن الباقة صغيرة”

 

لكنني لم آبه فقد كانت تلك الزهور أجمل لدي من رياض العالم أجمع. و كانت ألوانها أزهى من كل تلك الزخرفات التي تملأ غرفتي، لأنها الأزهار التي امتزج عبيرها بعطر الرجل الذي أحب.

 

________

 

مرض فذهبت أزوره و أنا أحتضن بين ذراعيّ باقة كبيرة من الورود المختلفة. كنتُ قد اخترتها بنفسي و حملت كل واحدة فيها بحب و شغف.. سألته:

“أين يمكنني أن أضع الزهور؟”

فتردد قبل أن يشير بحرج إلى مزهرية زجاجية صغيرة و قد غزت زجاجها الباهت بعض الشقوق و الخدوش، و قال محرجا:

“يمكنكِ وضعها هناك”

نكس رأسه و ردد متأسفا:

“آسف، ليس لدي غيرها”

 

وضعتها فيها بسعادة و كأنني أرى أجمل مزهريات العالم. لم تكن بمثل زخرفة مزهريتي و لا بمثل اتساعها و لا بمثل فخامتها، حتى أنها قد ضاقت بكل تلك الورود، لكنها كانت جميلة جدا.

استدرت إليه لأراه يحاول النهوض من مكانه فتساءلت باستغراب:

“إلى أين؟”

رد بوهن ألزمه المرض إياه:

“إلى المطبخ، سأعد بعض القهوة”

 

أعدته إلى مكانه و قلت بحزم:

“أنت مريض و عليك ألا تتحرك.. ابق هنا و سأعد أنا القهوة”

 

حاول الاعتراض مجددا بنفس الإحراج:

“أعتذر.. إن مطبخي ليس لائقا كثيرا.. إنه…”

 

“يكفي !!!

لم أعرف كيف صرخت و لا من أين أتتني الرغبة أو الجرأة بالصراخ فأنا لم أكن غاضبة و لا ناقمة و لا متذمرة. كل ما في الأمر أنني سئمت اعتذاراته الكثيرة. كان صراخي بتلك الطريقة كفيلا بإلجامه الصمت لأبدأ أنا نثر كلماتي التي قد تبدد ضباب حيرته:

“آسف ! آسف ! آسف !! عم تعتذر بحق الله؟ لماذا تواصل القول أن كل ما لديك لا يليق بمقامي؟ أهكذا تراني دوما؟ مجرد فوارق خلقها المال بيننا؟ هذه الأمور التي تعتذر بشأنها طوال الوقت يا سيدي ليست سوى درجات دعمتها ركائز المال في سلم المجتمع. ما العيب في أن تكون فقيرا؟ ما العيب في أن تملك مطبخا رثا و لا تملك المال الكافي لتشتري لي باقة ورود أكبر؟”

اقتربت منه أستجدي نظرة لطالما تمنيتها منه و تابعت بهدوء:

“أتظن أنك أخطأت حين أحضرتَ باقة أصغر من مزهريتي؟ أم أنك أخطأت لأن مزهريتك لم تتسع لورودي؟”

 

لم أحصل على تلك النظرة التي رغبت بها فتابعت بهمس:

“إن كان ذلك ما يزعجك فلمَ لا تشاركني مزهريتك لأضع فيها باقة لا زالت تزين شحوب غرفتي؟ لمَ لا تدعني أشاركك مزهريتي لتضع فيها باقة اخترت لك كل وردة فيها بنبضة من قلبي؟”

 

و أخيرا بدأت تلك الملامح الوجلة -التي أكره- تنسحب بخذلان من وجهه لتبدأ ريشة السعادة برسم أخرى غيرها. نظر إليّ طويلا بتلكما العينين المتلألئتين و قد التهمت حدقتاه كل جزء من عيوني. لم أكن أظنني بذلك الضعف، فبعدما حصلت على تلك النظرة التي أريد انهارت دفاعاتي و سحبتني قدماي للتراجع هاربة، لكن يده القوية قد امتدت لتجذبني نحوه و ترميني بين أعطاف صدره الرحب:

“إذن هل يمكنكِ أن تشاركيني مزهريتي العتيقة في منزلي الرث؟ إنه خال من كل شيء تقريبا.. إلا من قلب غني.. غني جدا لأنه امتلأ بحبك”

صمت ليبحث عن كلمات مناسبة، لكنه وجد أن العبارة التقليدية التي انتهجها العشاق دوما ستكون ملجأه الوحيد للهروب من فقر الكلمات هذا فردد بعمق و دفء:

“هل تتزوجينني؟”

 

خفق قلبي بقوة، و تدافعت النبضات من صدري لتتمازج مع النبضات الراكضة بين أنفاسه. لم أرفع رأسي عنه و لم أشأ أن أبعد نفسي عن أحضانه. ربما لأنني شعرت هناك بأمان لم أجده في مكان غيره. ربما لأنني عثرت على المكان الذي عليّ أن أنتمي إليه حقا. ربما، لا، بل حتما لأنني فزت بالقلب الذي تمنيته دوما. تعثرت حروفي و هي تخرج من بين شفتي لتصل إلى قلبه قبل أذنيه:

“أحبك”

قلتها بوله كبير و أنا أنظر إلى منظر سحرني و شكرته كثيرا.. منظر جمع تعانق ورودي مع مزهريته بالتحام جميل بدد كل دافع للحيرة و التردد و كأنه يؤكد أن…

“ليس في الحب فوارق”

 

 

 

17/03/2013

سمية بن عبد الله فقير

_______

Amnesia

Amnesia

 

AMNESIA

 

أتخبط في ظلام دامس، لا أبصر شيئا و كأن العمى قد غزا عيوني فجأة.. تنفسي ثقيل كثقل هذه الأشباح السوداء التي تطاردني و لست أعلم ما هي.. ترى هل أنا ميتة؟

لكن مهلا، لماذا أنا هنا؟ إن كنتُ ميتة أليس من المفترض أنني أتعرض للاستجواب و العقاب الآن؟ عذاب القبر؟ لن أستبعد هذا فأنا لم أكن ملاكا طاهرا بحياتي، كان لدي جانبي المظلم أيضا، ذاك الذي تحكم بي طويلا و سيّر أفكاري و أفعالي أحيانا. هذا الجانب المظلم هو مثل الذي أغرق فيه الآن، إذن أين أنا إن لم أكن في ظلمة القبر و برودته؟ الظلام قاس جدا، كيف سأنجو منه؟

بعض الدفء أستشعره يتسرب إليّ من مكان ما مع همسات دافئة، أتراها هي التي تجلبه؟ إنها يدي.. أشعر بها الآن تتحرك في يد أخرى تمسح عليها بحنان، هل هذه عودة للحياة؟ همهمات خفيفة، أو ربما هي تبدو كذلك لأنها آتية من بعيد.. من ذا الذي يتكلم؟ أهو يخاطبني أنا؟ من أنت يا من تتحدث؟

ما هذا؟ شيء دافئ آخر يلامسني.. إنه دافئ لدرجة جعلتني أشعر أن لدي ما هو غير يديّ.. هذه القطرات الندية التي تتساقط على وجهي منعشة إياه.. ربما قد أستعيد نفسي من بين براثن الظلام إن استطعت الشعور بصاحب هذه الدموع.. إن استطعت سماع هذه الهمهمة القادمة من بعيد.. أصخت السمع و ها هي ذي آتية نحو أذني لتوقظهما من صمت لم أعتقد أن بالإمكان الإفلات منه.. صوت حزين يخاطبني:

“ألن تستيقظي؟ ألم تملـّي هذا النوم بعد؟ إن كنتِ الأميرة النائمة فلن أمانع أن أكون الفارس المنقذ.. فقط عديني أنكِ ستستيقظين إن استلمتِ قـُبلـَتي.. لم اعد أحتمل هذا أتعلمين؟ لم لا تفتحين عيونك و تواجهينني بدلا من اختبائكِ خلف جدار اللاوعي هذا؟ لماذا تصرين على تعذيبي أكثر مما فعلتِ؟ هل كنتُ قاسيا معكِ لهذه الدرجة؟ أرجوكِ عودي و عاقبيني كما تشائين.. فقط عودي إلى هنا.. لا تبتعدي إلى مكان لا أعرف أين يكون و لا كيف أصل إليه.. لم يعد طعم الحياة حلوا بعدك لو تعلمين.. كفاكِ دلالا.. كفاكِ هربا.. لم يكن من عادتكِ الهرب إلى اللامكان حين تغضبين.. لطالما احتوتكِ أوراقكِ و صدري.. فلماذا تهربين من كليهما الآن؟ أتعتقدين أن أوراقكِ لم تخبرني؟ إنني أضمها لصدري كما لو أنها احتوتكِ داخلها.. عرفت أنكِ تعذبتِ و لم تخبريني.. لذا أعدكِ أن أبتعد عن حياتكِ كما رغبتِ، و لن أطرق باب خيالاتكِ حتى..

فقط عودي.. أرجوكِ

شعرت بدفء آخر يلمس يدي.. إنها قبلة طويلة دافئة يبعث بها المتحدث لأناملي ليعبث بعضو آخر أظنه كان مختفيا لفترة في الظلام و البرودة فخفقاته قد ازدادت الآن حتى لأكاد أجزم أنها تتقافز خارجة من صدري لتجبرني على فتح عينيّ و أنا أنظر للشخص الممسك بيدي يقبلها.. نظر إليّ هو الآخر بعيون امتلأت مع دمعها صدمة و فرحة أكدت لي أنني مهمة له جدا.. لكنني صمتّ..

صمتا طويلا جدا.. باردا جدا.. و مظلما جدا.. و أخيرا همست بصعوبة و صدق:

“من أنت؟”

 

 

 

-تمت-

 

 

 

 

سمية بن عبد الله فقير: Amnesia

 

30/11/2013

20:10

 

 

 

ملاحظة: كلمة Amnesia هي إنجليزية و تعني فقدان الذاكرة

أميرة.. قصة طفولة

 “أميرة”

girl-at-sea2

“ابتعدي عني !!”

هكذا نهرتها بشدة و نظرة الاشمئزاز في عينيّ توصل رسالتي إليها بوضوح ألا تقترب مني كثيرا أثناء الاصطفاف أمام القسم. كانت تلك هي “أميرة” ذات الملابس الرثة و الوجه المشبع بتفاصيل البؤس و الشقاء. الجميع في صفي يقول أنها تثير التقزز برائحتها النتنة و مظهرها البالي، و الأغلب أن ذلك كان رأي كل من في تلك المدرسة الابتدائية. لكن أظنني أكثرهم احتقارا لها و اشمئزازا منها لأني مضطرة للبقاء بجانبها، فهي تجلس بجانبي منذ عامي الأول في المدرسة فقط لأن معلمتنا أرادت تنظيم الجلوس حسب حروفنا الابجدية. و ها نحن في عامنا الرابع و أنا لا أزداد إلا ازدراء لها و لمظهرها، و مع كل عام يمر يكبر كرهي لها فأضاعف تنمري عليها. لكن أكثر ما يثير غضبي هو تقبلها لكل ذلك بصمت دون أن تشكي أحدا منا إلى المعلمين بالرغم من استطاعتها ذلك بسهولة.

… … …

هدايا العيد قد انتشرت بين الجميع، و ها أنا بين صديقاتي أتباهى بلعبة الباربي الجديدة التي اشترتها لي أختي. ربما كان ذلك تفكير طفلة في الثامنة لكني تعمدت –و بكل استفزاز- إظهار اللعبة أمام “أميرة” التي كان برودها يلازمها كالعادة، فبغض النظر عن أنها لم تكن تحمل أية هدية، كانت لا تزال ترتدي ملابسها الرثة في حين ارتدى كل من في المدرسة ملابس العيد الجديدة للتفاخر. جلست على الطاولة حين اقترب وقت الحصة لأخبئ لعبة الباربي داخل محفظتي و أنا أتمتم بسخرية متعمدة:

“إنها لعبة باربي جديدة.. لا أظنكِ تعرفينها حتى، أليس كذلك؟ لذا لا داعي لأن تريها أكثر”

لكنها كالعادة لم تأبه لسخريتي، بل بدأت بإخراج أدواتها من محفظتها القديمة أيضا. و أنا –كعادتي- بدأت المشاركة بنشاط و تفاعل مع المعلمة التي استدعتني –كعادتها أيضا- إلى السبورة حتى أحل ما استعصى على البقية من مسائل تاركة خلفي تلك الهالة المظلمة من اليأس و الاحباط التي تحيط بفضاء “أميرة”.

… … …

“توقفي أيتها السارقة !!”

ناديتها بغضب حين كانت تسير في طريقها مبتعدة عن المدرسة. إنها المرة الأولى التي أخاطبها بها خارج المدرسة لكني كنت في قمة الغضب مما فعلته. لم تكن قد مرت دقيقتان على انتهاء الدوام المدرسي حين عدت لمكاني -بعدما أنهيت تنظيف السبورة و مساعدة الاستاذة لجمع حاجياتها- و لم أجد “أميرة” في مكانها. بدأت بلملمة أدواتي لأخرج، لكني صُدِمتُ باختفاء دميتي الفاتنة من الحقيبة. لقد كان ذلك مفزعا بالنسبة لي و أول ما خطر ببالي هو الفتاة الرثة البائسة التي تجلس بجانبي لألحق بها بعدما خرجت بسرعة من المدرسة.

لم تجبني و لم تلتفت إليّ أصلا، بل حثت الخطى للأمام هاربة فما كان مني إلا أن ركضت خلفها لأمسكها من حقيبة ظهرها بعنف:

“قلت لكِ توقفي أيتها السارقة، أعيدي إليّ لعبتي !!”

تظاهرت بالجهل و هي تحاول تحرير نفسها بضيق:

“اتركيني، أنا لم أسرق شيئا”

لم أستمع لكلمة مما تقول بل سارعتُ لنزع الحقيبة عن ظهرها و شرعت حالا في فتح سلسالها الطويل، و كما توقعت، ظهر بريق شعر دميتي الأشقر بوضوح ما إن فتحت الحقيبة، صاحبَهُ ظهور ابتسامة نصر على شفتي سرعان ما اختفت حين لم أجد الحقيبة بين يدي. كانت “أميرة” قد جذبت المحفظة بسرعة لتركض بجنون نحو الطريق الذي يفصل حيها عن حينا.

“أعيدي إليّ دميتي و إلا أقسم أنني سأشكوك للمعلمة يا سارقة !!”

ألقت عليّ نظرة مترددة واحدة لم أفهم معانيها إلا بعد مدة طويلة، قبل أن تستأنف ركضها السريع.. صوت عنيف، عالٍ، و مؤلم صاحبته صورة بطيئة بقدر سرعتها جعلتني أتجمد مكاني فاقدة لكل إرادتي. كان ذلك صوت بوق السيارة التي صدمت “أميرة” في نفس اللحظة التي اجتازت فيها الطريق بتهور. طار الجسد الهزيل -بعد ذلك الاصطدام- عاليا و طارت معه الحقيبة الصغيرة لتتناثر محتوياتها على كامل الطريق لأن صاحبتها –لاستعجالها الهرب- لم تغلقها. و ها هو ذا الجسد الآدمي يسقط بعنف على الأرض ليسقط بجانبه الجسد البلاستيكي. لكن الفرق أن “أميرة” نزفت دما، و “باربي” لم تفعل. “أميرة” تألمت، و “باربي” لم تفعل. عظام “أميرة” تحطمت، و “باربي” لم تكن تملك عظاما من الأساس… “أميرة” قد احتل روحَها الخوفُ و الفزع، أما “باربي” فلم تعرف للروح معنى أبدا.

بدأ الناس بالتجمهر حول الحادث، فيما هربت السيارة المجرمة و صاحبها من المكان بلا عودة أو دليل إدانة. أما أنا فقد جمعت كل ما تبقى من حر إرادتي و شتات تماسكي كطفلة في الثامنة و… هربت من المكان بلا دليل إدانة أنا أيضا، تاركة خلفي لعبة باربي قد بدأ شعرها الأشقر يتلون بدماء “أميرة”.

كان الأمر مخيفا لدرجة أنني لم أذكره لأحد، حتى حينما كانت أسرتي تتحدث –بأسف- عن الحادثة الفظيعة لم أبدِ تجاوبا معهم. و ها هي ذي معلمة صفنا تعلن عن إيقاف الدروس لليوم من أجل زيارة عائلة زميلتنا “الراحلة” و تقديم التعازي لأهلها. كان الجميع يلاحظ صمتي لكنهم لم يسألوا. لربما خمنوا أنني تأثرت لموت الفتاة التي جلست بجانبي لمدة أربع سنوات، لكنهم أبدا لم يخمنوا السبب الحقيقي لصمت القبور ذاك.

… … …

جلسنا جميعا في ذلك الفناء الصغير متزاحمين علنا نجد متسعا لثلاثين شخصا في مكان لا يجدر به حمل أكثر من عشرة متراصين. أبدت معلمتنا –بالنيابة عنا- أسفها الشديد لما حدث، و قدمت التعازي داعية لأهل الفتاة بالصبر و السلوان. كان أسوأ منظر رأيته في حياتي ربما بعد منظر حادثة الأمس، لكني مع ذلك لم أجرؤ على قول شيء، و لم أجرؤ حتى على ذرف دمعة واحدة.

اقترب موعد مغادرتنا حين انضمت للجلوس فتاة في الخامسة قد استعانت بكرسي متحرك. بدا الشبه واضحا بينها و بين “أميرة”.. نفس الوجه الشاحب، و نفس الملامح المشربة بالتعاسة و الشقاء، و لهذا لم أبذل جهدا لأعرف أنها شقيقة “أميرة” الصغرى. الفرق بينهما أن هذه الفتاة هنا لها وجه ينضح بالبراءة و الدفء على عكس “أميرة” التي كانت ترتدي البرود دوما.

“مليكة، تعالي و ألقي التحية يا ابنتي”

كانت هذه كلمات الأم المتعبة لابنتها العاجزة عن السير، و بأيد واهنة و ابتسامة صغيرة دفعت “مليكة” كرسيها المتحرك و تقدمت نحونا:

“مرحبا، أنا مليكة. أميرة هي أختي الكبرى.. أنتم زملاؤها في الصف، صح؟”

أجابت المعلمة نيابة عنا –كالعادة-:

“أجل، هؤلاء طلبة صفها، و أنا معلمتها”

اتسعت ابتسامة “مليكة” و هي تتكلم مجددا:

“أنا سعيدة حقا لقدومكم.. أميرة دوما تحكي لي عن طيبتكم و تعاملكم الجيد معها، قالت أن عليّ أن أصبر قليلا حتى أراكم بنفسي حين أدخل المدرسة. يبدو أنها محقة، فأنتم طيبون جدا و لهذا أتيتم جميعا لتوديعها في طريقها للجنة، شكرا لكم”

كانت كلماتها صادمة للجميع، فمن كان يتوقع أن “أميرة” ستذكرنا بخير أمام شقيقتها و نحن الذين لم نكن نفعل شيئا سوى ازدرائها و إساءة معاملتها. بدأ الجميع حينها بالبكاء حتى المعلمة، الجميع عداي أنا. ربما كانت الدموع قد تجمدت في عيني، أو ربما هي روحي التي لا يزال الخوف يجمدها.. إلى أن تكلمت “مليكة” بما لم أتوقعه.

“أختي أميرة شخص طيب جدا و لهذا يحبها الجميع. لقد طلبتُ قبل العيد لعبة “باربي” كهدية، و قد وعدتني أميرة أن تهديني إياها. إنها فعلا أخت رائعة، فقد اشترت لي الدمية لكن الله أراد أخذها عنده قبل أن تهديني إياها، إلا أن أميرة لطيبة قلبها لم تأخذ الدمية معها بل تركتها لي”

كان الجميع يبكون متأثرين لصبر الفتاة و براءتها معا. أما أنا –و لأول مرة منذ الأمس- أطلق العنان لدموعي و أجهش بالبكاء بصوت مرتفع. ليس بسبب سلوك “مليكة” الصبورة، و لكن بسبب كلماتها التي بدا لي أن “أميرة” هي من تركتها لي خلفها حتى أفهم سبب أخذها لدميتي.

فكرت في الأمر طويلا بعدها، إن “أميرة” رغم كل إساءاتنا لها، لم تأخذ شيئا من أغراضنا أبدا. دمية الباربي تلك كانت أول شيء تسرقه.

… … …

وقفت أمام ذلك القبر الصغير بعدما نزعت عنه الأوراق الذابلة و نظفت جوانبه و بنظرة عميقة مع ابتسامة حزن تكلمت بخفوت:

“مرحبا أميرة.. أرجو ألا أكون قد تأخرت في زيارتي كثيرا. جئت لكِ بأخبار سارة.. لقد ظهرت نتائج الامتحان النهائي اليوم.. مليكة قد نجحت و بامتياز أيضا، ستُقبَل بالتأكيد في كلية الهندسة. أتعلمين؟ لقد التقطت صورة التخرج مع دمية الباربي التي أهديتِها إياها دون آبهة لسخرية زميلاتها، يبدو أنها ورثت اللامبالاة منكِ. بالرغم من أني اشتريت لها العديد من الدمى بعدها إلا أنها تفضل تلك اللعبة بالذات، لأنها هديتكِ أنت ربما. حسنا، سأغادر الآن، إلى اللقاء”

كانت هذه واحدة من الزيارات الخفيفة التي أقوم بها طيلة ثلاثة عشر سنة لقبر “أميرة”. أحكي لها عن جديد “مليكة” التي صارت –بطريقة ما- بمثابة أختي الصغرى. اهتممت بها و صادقتها و اشتريت لها العديد من الدمى. أما أنا لم أشترِ لنفسي لعبة واحدة بعد تلك الباربي.. و لم ألعب بالدمى أبدا.

سرت في طريقي خارجة من المقبرة التي تقع على الجانب الآخر من الطريق الذي أودى بحياة “أميرة”. الطريق الذي لازلت حتى الآن أرتعش خوفا حين أقوم بعبوره. الطريق الذي لم أخبر أحدا عن قصته حتى الآن.. ربما لأنها قصة جعلت مني “مجرمة”.

____________________________________________

ثرثرة ما بعد القصة:

مرحبا -بكل من قرأ قصتي- في ثرثرتي المعتادة. كيف الحال؟ أرجو أن تجدكم قصتي هذه بأفضل حال.

و أرجو قبل كل شيئا أن تكون قد أمتعتكم و لو قليلا.

“أميرة” هي قصة ارتكزت بعض الشيء على واقع من ماضيّ. كانت الفتاة “أميرة” طالبة في صفي و قد توفيت حقا في حادث مروري مؤسف. “أميرة” صدمتها سيارة في منتصف الفصل الأخير لسنتنا الأولى في الابتدائية، و كان هذا الطريق –حقا- يحصد الكثير من الأرواح إلى فترة قريبة. أوصاف الفتاة أميرة هي كما في القصة تماما: مظهر رث فقير، و ملامح باردة لا مبالية. إلا أن أميرة الحقيقية أكثر عدوانية من القصة. ربما كان عليها –رحمها الله- أن تكون كذلك و إلا تعرضت للتنمر كما في قصتي.

حسنا، لم تكن أميرة في الواقع تجلس بجانبي و لا مقربة مني، كما أنها لم تكن منبوذة من الجميع. لكنني استوحيت فكرة النبذ و التنمر من بعض الأشخاص القلائل في صفنا ممن كانوا يترفعون على أميرة و يتباهون أمام فقرها. كان موتها صدمة للجميع، فقد وصلنا الخبر ذات صباح لم تكن فيه “أميرة” حاضرة. و من يومها لم أرغب أن يمر الأمر دون ذكر، و لهذا كلما مررت بجانب ذلك الطريق تذكرتها بشكل ما. و حين رغبت بكتابة قصة أردت –بطريقة ما- أن تكون أميرة جزءا منها. ربما لأني لم أردها أن تغيب عن بالي و فقط.

و رجاء عندي لكل من قرأها أن يدعو بالرحمة للطفلة “أميرة” و الصبر لأهلها، فبالرغم من مرور أكثر من خمسة عشر سنة على الحادث، لا تزال والدتها تذكر اسمها على لسانها طوال الوقت.

رحمك الله أميرة.