فترة ركود

large

فترة ركود

قبل فترة التقيت بإحدى زميلاتي أيام الدراسة. كانت “المسكينة” –و أقول مسكينة لأنها الكلمة التي شعرت أنها تناسبها وقتها- تتخبط بين أقسام الادارة لاستخراج ورقة واحدة تحتاجها لإتمام ملف طلب عمل.

تحدثنا قليلا بعد السؤال عن الأحوال، ثم قررتُ المغادرة لكنها طلبت بقائي بصحبتها فبدت –كما وصفت نفسها- كطفل متعلق بأمه في مكان لا يعرف فيه أحدا. و لأنني كنت أنا نفسي بحاجة للصحبة فقد بقيت معها ثم عدنا معا إلى البيت، بعدما أخبرها “سكان” الإدارة أن عليها العودة بعد يومين لأخذ الورقة “المقدّسة”.

و في طريق العودة رحنا نستعيد أحداثا و أسماء من سنوات الدراسة فذاك يدرّس في تركيا و الآخر ذهب إلى فرنسا و تلك تكمل شهادة الدكتوراه في غرب البلاد بينما خطيبها في الشرق لنفس الغرض، و سألتني عما أفعل.

“حسنا، كما ترين.. أدرّس التعبير الشفهي في قسم اللغة الانجليزية”

“ألم تشاركي في مسابقة التوظيف؟”

“ليس بعد، لكني أنوي فعلها هذه المرّة”

“ماذا عن الدكتوراه؟”

“سجلت في دورة الغرب العام الماضي لكن الظروف لم تسعفني لأداء الامتحان”

رثينا لحالنا بضع دقائق و أخذنا مجرى الحديث إلى أساتذتنا الذين أصبح معظمهم الآن متكبرا مغرورا.. “لا أحد منهم صار يحدّث الطلبة و لا حتى الأساتذة المؤقتين أمثالي بأدب و احترام.. ما عدا أستاذ المنهجية –فلان- و أستاذة التعليم –فلانة-” قلتها بحنق كبير على ذلك التغيير فقالت رفيقتي:

“إنهم يعتقدون أنفسهم أفضل من الجميع و لا يتقبلون أي شخص أفضل مستوى منهم، و لولا أنني أخشى القسم بباطل لقلت أننا أحسن منهم في هذا التخصص”

لم أكن بطبعي أحب التباهي ولا التفاخر، فالله لا يحب كل مختال فخور، و لهذا اكتفيت بابتسامة، لكن صاحبتي قالت ما أعاد لنفسي أملا أخفاه غبار الأيام:

“إنها مجرد فترة ركود و حسب.. كل الناجحين في حياتهم مرّوا بنفس المرحلة قبل أن يسطع نجمهم.. إليكِ فلانة على سبيل المثال، لقد سافرت إلى فرنسا لدراسة الدكتوراه، و لمّا لم تستطع احتمال طريقة عيشهم هناك عادت إلى الوطن و مرّت بفترة ركود لمدّة عام و ها هي ذي الآن قد نجحت في مسابقة الدكتوراه هنا على رأس قائمة المشتركين. فلان أيضا رسب في امتحانين اثنين للدكتوراه في جامعتين مختلفتين، لكنه لم ييأس، و ها هو ذا الآن على رأس دفعة هذا العام لطلبة الدكتوراه في الجامعة الفلانية.علاّن أيضا كان يعاني خلال دراسته بالرغم من أنه طالب مجتهد، لكنه اختير في برنامج التعليم التركي و هو هناك الآن في مدرسة تركية أستاذ باهر النجاح”

ذكرت بضع أسماء أخرى ثم ختمت قولها بيقين: “نحن أيضا ننال نصيبنا من فترة الركود و سنعود أقوى بإذن الله”

لم أكن قد نسيت ذلك البتة، و ليس و كأنني أجهله، لكني تجاهلته لبعض الوقت، خاصة بعدما ابتعدت عن صديقتي التي كانت تحفزني للأمام دوما.. كنت بحاجة لكلمات كهذه من شخص مؤمن بما يقول حتى يستعيد محركي التفاؤلي نشاطه. و افترقنا على وعد أن ندرس جيدا هذا العام قبل مسابقة الدكتوراه القادمة.

نصيحتي ألا تبتعدوا كثيرا عن الصحبة الحسنة التي لا تتوقف عن تحفيزكم، فمهما كان نشاطك و أملك و حماسك متّقدا، فأنت تحتاج إلى دفعة من حين لآخر.

“فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”

الإعلانات