نفحات من حياتي (3)

السلام عليكم و رحمة الله
لقد مضى وقت طويل مذ وضعت الجزء الثاني، لكني لم أملك الحماس لوضع الجزء الثالث ^^
الآن لقد عدت مع الجزء الثالث من نفحات كما وعدت.. أرجو أن يعجبكم ^^
1167354yin8tsiepj_zps3ef9e4ed (2)
الجزء الثالث:
“اعتراف.. تورد الشفق أم الأصيل”
10525813_796983797013332_8011091403246183867_n
“أماني؟! لِمَ عدتِ وحدكِ؟ و… ما كل هذه الجروح؟!”
هذا ما هتفت به أمي و هي تراني مستلقية على سريري بتعب.. اقتربت و راحت تتلمس قدمي المضمدة بعناية و خوف..
عدلت جلستي و أبعدتُ يدها عن قدمي بلطف و قلت مطمئنة إياها:
“لا داعي للقلق أمي.. إنه مجرد التواء بسيط.. تعثرت عندما كنت أتجول مع الفتاتين”
رفعت أمي أحد حاجبيها و قالت بشك:
“مع الفتاتين؟… لكنهما قالتا أنك كنت وحدك و عندما عدت إليهما كنت في حال يرثى لها”
آآآه، يا لهاتين الثرثارتين.. لا تستطيعان التزام الصمت أبدا، مع أنني أوصيتهما.. تنهدت و أجبت أمي بهدوء:
“لقد كنت معهما، لكنني ابتعدت بمفردي قليلا.. أظنني ضللت الطريق و حصل ما حصل”
ابتسمت أمي و قالت:
“من المضحك أن تنسي المكان الذي كنت تلعبين فيه معظم وقتك”
نظرت إليها بعمق و أنا متعبة من كل ما يحصل معي منذ وصلت ثم همست:
“أليس هذا ما كنت تريدينه؟.. أن أنسى المكان؟”
اختفت الابتسامة من وجه أمي التي زفرت بضيق و هي تتكلم:
“لم أطلب منك نسيان المكان، فهذا بيت خالتك و سكانه من أهلك. كل ما طلبته منك ألا تتورطي بعلاقة لن تستطيعي فيها السلامة من الأذى. لا أستطيع أن أرى قلبك الصغير يُجرَح و لا أفعل شيئا”
صمتّ، لا أعلم من أين أتت أمي بفكرة أن ارتباطي بجهاد سيجرحني لا محالة. إنها حتما لا تعلم عن عمق الجراح الغائرة في روحي بسبب كتماني و تجاهلي لأمره، ولا تدرك مدى الألم الذي يغوص بداخلي لبقائي قريبة و بعيدة منه في نفس المكان. لم أقل شيئا بل اكتفيت بالتحديق إلى الأسفل، فعادت أمي للقول بنبرة حنونة:
“بنيــّتي، تعلمين أنني أرغب في سعادتك.. حقا، لهذا طلبت منك ذلك. أنتم، شباب اليوم، متسرّعون و يغلب عليكم الانفعال، و تعلمين أن شجارا صغيرا بين اثنين سيؤدي إلى خلاف كبير بين العائلتين”.
صمتت قليلا ثم أردفت بنبرة شبه حزينة:
“أعلم أنك عاقلة، و تتخذين القرار الصائب، أليس كذلك؟”
أحسست بدفء جميل و اطمئنان عميق و أنا أسمع كلامها، فنظرت إليها مطولا وابتسمت:
“تعلمين أنني ابنتك”
و عانقتها بقوة فراحت تمسح على شعري بحنان و أشعرني ذلك بالارتياح. أحبها حقا و لا أريد أبدا أن أراها تتألم لأني رفضت طلبها. و نوعا ما نسيت الثقل الذي كان فوق كاهلي، و ما إن غادرت أمي الغرفة حتى حملت دفتر مذكراتي و توجهت نحو سطح المنزل لأكتب قليلا لعلي أنسى كل شيء.
________________________
مرّت حوالي الساعة و أنا منغمسة في الكتابة. و رفعت رأسي لأرى أن الشمس ستنحدر للمغيب بعد قليل، فوقفت و أسندت جسدي إلى جدار السطح و رحت أتأمل المنظر الرائع. حاولت، ككل مرّة أراقب فيها الطبيعة، أن أنفصل عن العالم من حولي و أتوحّد مع المنظر فقط، لا يوجد غيرنا.
“توقعت أن أجدك هنا”
خفق قلبي بشدة و أنا أسمع ذلك الصوت يأتي من خلفي لكني لم أتحرك، و بعد برهة كان جهاد واقفا إلى جانبي مسندا مرفقيه إلى الجدار و راح ينظر إلى ما أنظر إليه.
“أتمانعين إن انضممت إليكِ؟”
لم أجب بل نظرت إليه و أنا أغتصب ابتسامة فبادلني الابتسام هو أيضا ثم حوّل نظره إلى المغيب.
تمتمتُ بخجل:
“كـ.. كيف عرفت.. مكاني؟”
نظر إليّ مجددا نظرة مبهمة لم أفهمها. كانت تجمع بين العتاب و الحزن و… اللهفة.. ربما، و قال بصوته الهادئ العميق:
“أحقا لا تعلمين، أم أنك… تتظاهرين بذلك فقط؟”
وجهت إليه نظرة خاطفة ملؤها الدهشة. كنت أعلم كيف عرف مكاني، فأنا منذ صغري ألجأ إلى هذا السطح حين يسوء مزاجي، و هو بالتأكيد يعلم هذا، و مع ذلك خفضت رأسي و همست:
“ماذا تقصد؟”
لم يجب عن سؤالي بل بقي ينظر إلى بعض أسراب الطيور و هي تستعد للعودة إلى أوكارها بعد التحليق طيلة اليوم.. غالبا ما يفعل بي هذا عندما أسأل سؤالا أعرف إجابته مسبقا، و كأنه يقول “لا داعي للتغابي”.
و بعد مدة قصيرة من الصمت سأل:
“حقا؟”
نظرت إليه بتعجب من هذه الكلمة الصغيرة التي أحسست أنها ستحمل لي متاعب كبيرة، و تعجبت من النبرة المرتجفة التي تخللت صوته و هو يتابع بصوت منخفض:
“أحقا لست أكثر من مجرّد أخ بالنسبة.. لك؟”
علمت أن اللحظة الحاسمة قد وصلت و أنني سأواجه خيارين لا ثالث لهما. سألت بتردد:
“هـ.. هل.. هل سمعتَ ما قلتـُه.. هذا الصباح؟”
أجاب و هو يثبّت نظره عليّ بطريقة أفقدتني تركيزي:
“كل كلمة”
شعرت أن قلبي يريد أن يفرّ من صدري حتى لا يكون وسط هذه المواجهة، و قلت متصنّعة الهدوء:
“إذن فلا داعي للسؤال عن شيء تعرفه أصلا”
“لا أصدقك”
اتسعت عيناي بدهشة و أنا أسمعه يقول تلك العبارة بانفعال ظاهر. لم أتكلم بل تركته يكمل:
“أحقا نسيت كل الأشياء الجميلة التي عشناها معا؟.. أحقا تعتبرين الأمر مجرّد.. مجرّد نشأة واحدة، و لعب في وسط واحد؟.. أحقا لا تعتبرينني سوى.. أخ لك.. فقط؟”
أشحت بنظري بعيدا عنه كي لا أضعف و أجبت:
“و هل كنت تظنّ غير ذلك؟”
أخذت نفسا عميقا ثم التفتّ إليه بحدة و تابعت مخاطِرة بكلّ شيء:
“أنت أخي جهاد، لطالما كنت كذلك و ستبقى. و بأي حال، لماذا ترغب في إثبات العكس؟ أتريد أن تراني.. متألمة و أنا أشاهدك تتابع طريقك مع كوثر، غير سائل عني؟”
قطب جهاد حاجبيه و قال باستنكار:
“كوثر؟!”
شعرت من نبرته المستهجنة أنه صادق و فهمت حالا أن الفتاتين لفـّقتا الأمر لتوقعاني في المصيدة و تنتزعا مني اعترافا. شعرت بالارتياح لحقيقة الأمر لكن كان يجب إنهاء ما بدأته.
سمعته يقول بتردد:
“أ.. أماني أنا….”
لم أنتظر سماع ما يريد قوله، رغم أن النظرة الدافئة التي كانت في عينيه جعلتني أرغب في البقاء هناك إلى الأبد، فقاطعته معتذرة:
“أنا آسفة.. سأذهب”
انحنيت لأحمل دفتري و مشيت نحو الباب لأغادر بأقصى سرعة لكن شيئا ما أوقفني. أوقفني صوت جهاد الهامس بشاعرية و ارتجاف أضفى على صوته سحرا لا يوصف:
“أحبك”
ضغطت بشدة على الدفتر الذي كنت أضمه إلى صدري و شعرت فعلا بأن دقات قلبي سيسمعها كل من في المنزل. جفلت و لم أستطع أن أحرك حتى جفوني، و تكاثفت الحرارة بشكل سريع في كامل جسدي ثم تجمعت كلها في رأسي و تمركزت في وجنتيّ. كان الأمر غريبا فقد صار جسدي يرتجف كما لو كنت في ثلاجة بينما كان وجهي يشتعل اشتعالا.
صرتُ أتنفـّس بسرعة و ألتقط أنفاسي المتلاحقة كما لو أنني خائفة أن تفلت مني فأموت. كان كل شيء يخنقني فيجعلني أريد الهرب من المكان بسرعة، لكن قدماي ترفضان التحرك من مكانهما، كما لو أنني سأقع إن أنا خطوت خطوة واحدة.
سمعته يردف:
“أماني…”
“مستحيل.. غير صحيح.. غير صحيح”
قلت ذلك بهمس لا أعرف كيف استطاع جهاد سماعه لكني سمعته يقول:
“إنه صحيح، و ليس مستحيلا”
تحركت من مكاني بتثاقل لأغادر المكان لكن قلبي كان يلح عليّ بالبقاء، و سمعته يقول مجددا:
“أماني.. لماذا؟.. لماذا تحاولين رفض الأمر حتى قبل بدايته؟ أرجوك أخبريني”
قلت بنفس الهمس:
“لأن ذلك غير ممكن”
رفع صوته قليلا و هو يردف بانفعال:
“لِمَ هو غير ممكن؟.. ألا تثقين بأني.. أحبك؟”
ارتجفت قليلا حين سمعت تلك الكلمة مجددا لكنني صمت و لم أجب فتابع بنفس الانفعال:
“إن لم يكن هذا حبا فأرجوك اشرحي لي سبب عودتي إلى البيت بهذه السرعة، فقط لأنني عرفت أنك ستقضين العطلة هنا. اشرحي لي سبب فرحتي العارمة فقط عند سماع اسمك. فسري لي سبب ارتجافي حين أسمع أخبارك. فسري لي سبب ارتباكي حين أتحدث معك. أخبريني كيف لي أن أعرف أماكنك المفضلة و أتذكر هواياتك و طباعك كلها مع أني لم أرك منذ سبع سنوات..”
صمت قليلا و كأنه يلتقط أنفاسه ثم تابع بخفوت:
“فسري لي لماذا يخفق قلبي بشدة الآن و أحس بألم كبير لأنك ستغادرين”
tumblr_n4r81tArTF1qdolfoo3_500
شعرت به يقترب خلفي فتسارعت نبضات قلبي و لم أستطع التوقف عن الارتجاف لكن ليس بسبب البرد هذه المرة، بل بسبب الخوف. وقف خلفي مباشرة و همس:
“أرجوك”
كان يترجاني؟؟ جهاد يترجاني أنا؟؟ لا، ليس عدلا.. كيف لي أن أجعل هذا الرجل القوي، الذي لم ينزل رأسه لأحد سوى الله، يتوسلــّني بهذه الطريقة؟ شعرت بثقل كبير يرسو على قلبي و كدت أبكي.
الشيء الذي لا يعلمه جهاد هو أنني أنا نفسي أتوسل ذاتي و أتوسل كل من حولي أن يفسروا لي حياتي. فكيف لي أن أفسر له حياته هو، حياة الشخص الوحيد الذي….
لم أستطع التفكير أكثر، رأسي يكاد ينفجر و كل شيء يتدافع فيه كحلبة المصارعة.
استدرت نحوه ببطء فوجدته قريبا مني جدا لدرجة أنني خفت أن يصطدم بي إن اقترب خطوة أخرى. أحسست بالخوف من كل شيء، حتى من نفسي و لم أستطع أن أنبس ببنت شفة. بدت لي تلك اللحظات أعواما لا ترغب في أن تنتهي، و كان مفتاح إنهائها أو إطالتها بيدي.
رأيت عينيه المتوسلتين تنتظران جوابا مني و علمت أن الأمر بيدي حقا، و كما قلت في قبلا، كان لدي خياران لا ثالث لهما، إما أن أعيش لحظتي و أصارح جهاد بما يخالجني، و إما أن أكون ابنة بارّة تؤثر أمها على نفسها و هذا يحتّم عليّ أن أبعد جهاد عني بأي طريقة، حتى لو كان ذلك بـ… بالقسوة.
أخذت نفسا عميقا أجمع به شجاعتي كاملة ثم ركزت نحوه نظرة ثابتة و قلت ببرود:
“لا أستطيع أن أفسر لك شيئا لا أعرفه جهاد. لكني متأكدة أنها مجرّد نزوة و ستزول بمرور الوقت، أؤكد لك”
صرخ في وجهي بشكل أفزعني:
“كلا، ليست مجرد نزوة.. سحقا أماني، أحقا لا تدركين ذلك؟”
استغللت الموقف لصالحي و صرخت أنا أيضا:
“تبا لك جهاد.. لا تصرخ في وجهي مجددا”
17b97cc990e7ebcfa5db41aab1822ffa.jpg
استدرت بحدة و توجهت نحو المخرج، لكن يد جهاد القوية أمسكتني من ذراعي بشدة و أدارتني إلى الخلف مجددا وجذبتني نحوه. كان ينظر إليّ بطريقة هادئة على عكس ما كانت توحي به قبضة يده المحكمة. شــُلَّ لساني بسبب حركته تلك فقد كانت المرة الأولى التي يعاملني فيها جهاد بهذه القسوة. و عندما رأى أنني لم أتكلم قال قاطعا الصمت:
“أخبريني شيئا واحدا فقط.. أتحبينني؟”
أحسست بكل الحرارة التي كانت في وجهي قد تجمعت في عينيّ و صارت الدموع تحتشد في مكانها استعدادا للنزول. أصبح وجه جهاد مشوشا في نظري بسبب كل تلك الدموع، و لم أستطع أن أطرف كيلا تنزل كلها دفعة واحدة و تثبت ضعفي. قاومتها كثيرا لكن يبدو أن ضعفي سيبقى قائما ما حييت، فقد كانت رمشة واحدة مني كافية لجعل كل تلك الدموع تصنع سيولا على وجنتيّ، فضلا عن الألم الشديد التي يحتقن به قلبي و كامل جسدي. حوّلت نظري إلى ما خلف جهاد فرأيت أن الشمس قد غابت فعلا و قد بدأ الظلام الموحش يسيطر على ذلك الجبل الذي التهمها. و دون أن أحول نظري عن الجبل، همست ضاغطة بشدة على كلماتي:
“كيف لي.. أن أحب الشخص الذي حرمني مشاهدة الغروب؟”
نظرت إليه ببرود ثم انتزعت ذراعي من يده بغضب و غادرت المكان تاركة إياه في نفس وضعيته و ملامحه المصدومة. ركضت بسرعة جنونية ناسية ألم قدمي لدرجة أنني اصطدمت بمها في طريقي لكني لم أعرها اهتماما، لا هي و لا تساؤلاتها. و مضيت رأسا إلى غرفتي حيث أغلقت الباب بالمفتاح و ارتميت على السرير دافنة وجهي في وسادتي و انخرطت في بكاء مرير.. مرير جدا.
1167354yin8tsiepj_zps3ef9e4ed (2)
إلى هنا ينتهي الفصل الثالث
كثير من الدموع، الضغط، و المتناقضات.. كثُر قد يقولون ماداما يحبان بعضهما فأين المشكلة؟
لكن المشكلة أن هنالك حبا أكبر من حبها.. حب الأم
ترى إلى أين سيقود كل هذا؟
ستعرفون في الفصل القادم
“سقوط حر.. بين الشعاع المظلم و الانعتاق المؤلم”
تابعوني بإذن الله ^^
سلام
الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s