نفحات من حياتي (3)

السلام عليكم و رحمة الله
لقد مضى وقت طويل مذ وضعت الجزء الثاني، لكني لم أملك الحماس لوضع الجزء الثالث ^^
الآن لقد عدت مع الجزء الثالث من نفحات كما وعدت.. أرجو أن يعجبكم ^^
1167354yin8tsiepj_zps3ef9e4ed (2)
الجزء الثالث:
“اعتراف.. تورد الشفق أم الأصيل”
10525813_796983797013332_8011091403246183867_n
“أماني؟! لِمَ عدتِ وحدكِ؟ و… ما كل هذه الجروح؟!”
هذا ما هتفت به أمي و هي تراني مستلقية على سريري بتعب.. اقتربت و راحت تتلمس قدمي المضمدة بعناية و خوف..
عدلت جلستي و أبعدتُ يدها عن قدمي بلطف و قلت مطمئنة إياها:
“لا داعي للقلق أمي.. إنه مجرد التواء بسيط.. تعثرت عندما كنت أتجول مع الفتاتين”
رفعت أمي أحد حاجبيها و قالت بشك:
“مع الفتاتين؟… لكنهما قالتا أنك كنت وحدك و عندما عدت إليهما كنت في حال يرثى لها”
آآآه، يا لهاتين الثرثارتين.. لا تستطيعان التزام الصمت أبدا، مع أنني أوصيتهما.. تنهدت و أجبت أمي بهدوء:
“لقد كنت معهما، لكنني ابتعدت بمفردي قليلا.. أظنني ضللت الطريق و حصل ما حصل”
ابتسمت أمي و قالت:
“من المضحك أن تنسي المكان الذي كنت تلعبين فيه معظم وقتك”
نظرت إليها بعمق و أنا متعبة من كل ما يحصل معي منذ وصلت ثم همست:
“أليس هذا ما كنت تريدينه؟.. أن أنسى المكان؟”
اختفت الابتسامة من وجه أمي التي زفرت بضيق و هي تتكلم:
“لم أطلب منك نسيان المكان، فهذا بيت خالتك و سكانه من أهلك. كل ما طلبته منك ألا تتورطي بعلاقة لن تستطيعي فيها السلامة من الأذى. لا أستطيع أن أرى قلبك الصغير يُجرَح و لا أفعل شيئا”
صمتّ، لا أعلم من أين أتت أمي بفكرة أن ارتباطي بجهاد سيجرحني لا محالة. إنها حتما لا تعلم عن عمق الجراح الغائرة في روحي بسبب كتماني و تجاهلي لأمره، ولا تدرك مدى الألم الذي يغوص بداخلي لبقائي قريبة و بعيدة منه في نفس المكان. لم أقل شيئا بل اكتفيت بالتحديق إلى الأسفل، فعادت أمي للقول بنبرة حنونة:
“بنيــّتي، تعلمين أنني أرغب في سعادتك.. حقا، لهذا طلبت منك ذلك. أنتم، شباب اليوم، متسرّعون و يغلب عليكم الانفعال، و تعلمين أن شجارا صغيرا بين اثنين سيؤدي إلى خلاف كبير بين العائلتين”.
صمتت قليلا ثم أردفت بنبرة شبه حزينة:
“أعلم أنك عاقلة، و تتخذين القرار الصائب، أليس كذلك؟”
أحسست بدفء جميل و اطمئنان عميق و أنا أسمع كلامها، فنظرت إليها مطولا وابتسمت:
“تعلمين أنني ابنتك”
و عانقتها بقوة فراحت تمسح على شعري بحنان و أشعرني ذلك بالارتياح. أحبها حقا و لا أريد أبدا أن أراها تتألم لأني رفضت طلبها. و نوعا ما نسيت الثقل الذي كان فوق كاهلي، و ما إن غادرت أمي الغرفة حتى حملت دفتر مذكراتي و توجهت نحو سطح المنزل لأكتب قليلا لعلي أنسى كل شيء.
________________________
مرّت حوالي الساعة و أنا منغمسة في الكتابة. و رفعت رأسي لأرى أن الشمس ستنحدر للمغيب بعد قليل، فوقفت و أسندت جسدي إلى جدار السطح و رحت أتأمل المنظر الرائع. حاولت، ككل مرّة أراقب فيها الطبيعة، أن أنفصل عن العالم من حولي و أتوحّد مع المنظر فقط، لا يوجد غيرنا.
“توقعت أن أجدك هنا”
خفق قلبي بشدة و أنا أسمع ذلك الصوت يأتي من خلفي لكني لم أتحرك، و بعد برهة كان جهاد واقفا إلى جانبي مسندا مرفقيه إلى الجدار و راح ينظر إلى ما أنظر إليه.
“أتمانعين إن انضممت إليكِ؟”
لم أجب بل نظرت إليه و أنا أغتصب ابتسامة فبادلني الابتسام هو أيضا ثم حوّل نظره إلى المغيب.
تمتمتُ بخجل:
“كـ.. كيف عرفت.. مكاني؟”
نظر إليّ مجددا نظرة مبهمة لم أفهمها. كانت تجمع بين العتاب و الحزن و… اللهفة.. ربما، و قال بصوته الهادئ العميق:
“أحقا لا تعلمين، أم أنك… تتظاهرين بذلك فقط؟”
وجهت إليه نظرة خاطفة ملؤها الدهشة. كنت أعلم كيف عرف مكاني، فأنا منذ صغري ألجأ إلى هذا السطح حين يسوء مزاجي، و هو بالتأكيد يعلم هذا، و مع ذلك خفضت رأسي و همست:
“ماذا تقصد؟”
لم يجب عن سؤالي بل بقي ينظر إلى بعض أسراب الطيور و هي تستعد للعودة إلى أوكارها بعد التحليق طيلة اليوم.. غالبا ما يفعل بي هذا عندما أسأل سؤالا أعرف إجابته مسبقا، و كأنه يقول “لا داعي للتغابي”.
و بعد مدة قصيرة من الصمت سأل:
“حقا؟”
نظرت إليه بتعجب من هذه الكلمة الصغيرة التي أحسست أنها ستحمل لي متاعب كبيرة، و تعجبت من النبرة المرتجفة التي تخللت صوته و هو يتابع بصوت منخفض:
“أحقا لست أكثر من مجرّد أخ بالنسبة.. لك؟”
علمت أن اللحظة الحاسمة قد وصلت و أنني سأواجه خيارين لا ثالث لهما. سألت بتردد:
“هـ.. هل.. هل سمعتَ ما قلتـُه.. هذا الصباح؟”
أجاب و هو يثبّت نظره عليّ بطريقة أفقدتني تركيزي:
“كل كلمة”
شعرت أن قلبي يريد أن يفرّ من صدري حتى لا يكون وسط هذه المواجهة، و قلت متصنّعة الهدوء:
“إذن فلا داعي للسؤال عن شيء تعرفه أصلا”
“لا أصدقك”
اتسعت عيناي بدهشة و أنا أسمعه يقول تلك العبارة بانفعال ظاهر. لم أتكلم بل تركته يكمل:
“أحقا نسيت كل الأشياء الجميلة التي عشناها معا؟.. أحقا تعتبرين الأمر مجرّد.. مجرّد نشأة واحدة، و لعب في وسط واحد؟.. أحقا لا تعتبرينني سوى.. أخ لك.. فقط؟”
أشحت بنظري بعيدا عنه كي لا أضعف و أجبت:
“و هل كنت تظنّ غير ذلك؟”
أخذت نفسا عميقا ثم التفتّ إليه بحدة و تابعت مخاطِرة بكلّ شيء:
“أنت أخي جهاد، لطالما كنت كذلك و ستبقى. و بأي حال، لماذا ترغب في إثبات العكس؟ أتريد أن تراني.. متألمة و أنا أشاهدك تتابع طريقك مع كوثر، غير سائل عني؟”
قطب جهاد حاجبيه و قال باستنكار:
“كوثر؟!”
شعرت من نبرته المستهجنة أنه صادق و فهمت حالا أن الفتاتين لفـّقتا الأمر لتوقعاني في المصيدة و تنتزعا مني اعترافا. شعرت بالارتياح لحقيقة الأمر لكن كان يجب إنهاء ما بدأته.
سمعته يقول بتردد:
“أ.. أماني أنا….”
لم أنتظر سماع ما يريد قوله، رغم أن النظرة الدافئة التي كانت في عينيه جعلتني أرغب في البقاء هناك إلى الأبد، فقاطعته معتذرة:
“أنا آسفة.. سأذهب”
انحنيت لأحمل دفتري و مشيت نحو الباب لأغادر بأقصى سرعة لكن شيئا ما أوقفني. أوقفني صوت جهاد الهامس بشاعرية و ارتجاف أضفى على صوته سحرا لا يوصف:
“أحبك”
ضغطت بشدة على الدفتر الذي كنت أضمه إلى صدري و شعرت فعلا بأن دقات قلبي سيسمعها كل من في المنزل. جفلت و لم أستطع أن أحرك حتى جفوني، و تكاثفت الحرارة بشكل سريع في كامل جسدي ثم تجمعت كلها في رأسي و تمركزت في وجنتيّ. كان الأمر غريبا فقد صار جسدي يرتجف كما لو كنت في ثلاجة بينما كان وجهي يشتعل اشتعالا.
صرتُ أتنفـّس بسرعة و ألتقط أنفاسي المتلاحقة كما لو أنني خائفة أن تفلت مني فأموت. كان كل شيء يخنقني فيجعلني أريد الهرب من المكان بسرعة، لكن قدماي ترفضان التحرك من مكانهما، كما لو أنني سأقع إن أنا خطوت خطوة واحدة.
سمعته يردف:
“أماني…”
“مستحيل.. غير صحيح.. غير صحيح”
قلت ذلك بهمس لا أعرف كيف استطاع جهاد سماعه لكني سمعته يقول:
“إنه صحيح، و ليس مستحيلا”
تحركت من مكاني بتثاقل لأغادر المكان لكن قلبي كان يلح عليّ بالبقاء، و سمعته يقول مجددا:
“أماني.. لماذا؟.. لماذا تحاولين رفض الأمر حتى قبل بدايته؟ أرجوك أخبريني”
قلت بنفس الهمس:
“لأن ذلك غير ممكن”
رفع صوته قليلا و هو يردف بانفعال:
“لِمَ هو غير ممكن؟.. ألا تثقين بأني.. أحبك؟”
ارتجفت قليلا حين سمعت تلك الكلمة مجددا لكنني صمت و لم أجب فتابع بنفس الانفعال:
“إن لم يكن هذا حبا فأرجوك اشرحي لي سبب عودتي إلى البيت بهذه السرعة، فقط لأنني عرفت أنك ستقضين العطلة هنا. اشرحي لي سبب فرحتي العارمة فقط عند سماع اسمك. فسري لي سبب ارتجافي حين أسمع أخبارك. فسري لي سبب ارتباكي حين أتحدث معك. أخبريني كيف لي أن أعرف أماكنك المفضلة و أتذكر هواياتك و طباعك كلها مع أني لم أرك منذ سبع سنوات..”
صمت قليلا و كأنه يلتقط أنفاسه ثم تابع بخفوت:
“فسري لي لماذا يخفق قلبي بشدة الآن و أحس بألم كبير لأنك ستغادرين”
tumblr_n4r81tArTF1qdolfoo3_500
شعرت به يقترب خلفي فتسارعت نبضات قلبي و لم أستطع التوقف عن الارتجاف لكن ليس بسبب البرد هذه المرة، بل بسبب الخوف. وقف خلفي مباشرة و همس:
“أرجوك”
كان يترجاني؟؟ جهاد يترجاني أنا؟؟ لا، ليس عدلا.. كيف لي أن أجعل هذا الرجل القوي، الذي لم ينزل رأسه لأحد سوى الله، يتوسلــّني بهذه الطريقة؟ شعرت بثقل كبير يرسو على قلبي و كدت أبكي.
الشيء الذي لا يعلمه جهاد هو أنني أنا نفسي أتوسل ذاتي و أتوسل كل من حولي أن يفسروا لي حياتي. فكيف لي أن أفسر له حياته هو، حياة الشخص الوحيد الذي….
لم أستطع التفكير أكثر، رأسي يكاد ينفجر و كل شيء يتدافع فيه كحلبة المصارعة.
استدرت نحوه ببطء فوجدته قريبا مني جدا لدرجة أنني خفت أن يصطدم بي إن اقترب خطوة أخرى. أحسست بالخوف من كل شيء، حتى من نفسي و لم أستطع أن أنبس ببنت شفة. بدت لي تلك اللحظات أعواما لا ترغب في أن تنتهي، و كان مفتاح إنهائها أو إطالتها بيدي.
رأيت عينيه المتوسلتين تنتظران جوابا مني و علمت أن الأمر بيدي حقا، و كما قلت في قبلا، كان لدي خياران لا ثالث لهما، إما أن أعيش لحظتي و أصارح جهاد بما يخالجني، و إما أن أكون ابنة بارّة تؤثر أمها على نفسها و هذا يحتّم عليّ أن أبعد جهاد عني بأي طريقة، حتى لو كان ذلك بـ… بالقسوة.
أخذت نفسا عميقا أجمع به شجاعتي كاملة ثم ركزت نحوه نظرة ثابتة و قلت ببرود:
“لا أستطيع أن أفسر لك شيئا لا أعرفه جهاد. لكني متأكدة أنها مجرّد نزوة و ستزول بمرور الوقت، أؤكد لك”
صرخ في وجهي بشكل أفزعني:
“كلا، ليست مجرد نزوة.. سحقا أماني، أحقا لا تدركين ذلك؟”
استغللت الموقف لصالحي و صرخت أنا أيضا:
“تبا لك جهاد.. لا تصرخ في وجهي مجددا”
17b97cc990e7ebcfa5db41aab1822ffa.jpg
استدرت بحدة و توجهت نحو المخرج، لكن يد جهاد القوية أمسكتني من ذراعي بشدة و أدارتني إلى الخلف مجددا وجذبتني نحوه. كان ينظر إليّ بطريقة هادئة على عكس ما كانت توحي به قبضة يده المحكمة. شــُلَّ لساني بسبب حركته تلك فقد كانت المرة الأولى التي يعاملني فيها جهاد بهذه القسوة. و عندما رأى أنني لم أتكلم قال قاطعا الصمت:
“أخبريني شيئا واحدا فقط.. أتحبينني؟”
أحسست بكل الحرارة التي كانت في وجهي قد تجمعت في عينيّ و صارت الدموع تحتشد في مكانها استعدادا للنزول. أصبح وجه جهاد مشوشا في نظري بسبب كل تلك الدموع، و لم أستطع أن أطرف كيلا تنزل كلها دفعة واحدة و تثبت ضعفي. قاومتها كثيرا لكن يبدو أن ضعفي سيبقى قائما ما حييت، فقد كانت رمشة واحدة مني كافية لجعل كل تلك الدموع تصنع سيولا على وجنتيّ، فضلا عن الألم الشديد التي يحتقن به قلبي و كامل جسدي. حوّلت نظري إلى ما خلف جهاد فرأيت أن الشمس قد غابت فعلا و قد بدأ الظلام الموحش يسيطر على ذلك الجبل الذي التهمها. و دون أن أحول نظري عن الجبل، همست ضاغطة بشدة على كلماتي:
“كيف لي.. أن أحب الشخص الذي حرمني مشاهدة الغروب؟”
نظرت إليه ببرود ثم انتزعت ذراعي من يده بغضب و غادرت المكان تاركة إياه في نفس وضعيته و ملامحه المصدومة. ركضت بسرعة جنونية ناسية ألم قدمي لدرجة أنني اصطدمت بمها في طريقي لكني لم أعرها اهتماما، لا هي و لا تساؤلاتها. و مضيت رأسا إلى غرفتي حيث أغلقت الباب بالمفتاح و ارتميت على السرير دافنة وجهي في وسادتي و انخرطت في بكاء مرير.. مرير جدا.
1167354yin8tsiepj_zps3ef9e4ed (2)
إلى هنا ينتهي الفصل الثالث
كثير من الدموع، الضغط، و المتناقضات.. كثُر قد يقولون ماداما يحبان بعضهما فأين المشكلة؟
لكن المشكلة أن هنالك حبا أكبر من حبها.. حب الأم
ترى إلى أين سيقود كل هذا؟
ستعرفون في الفصل القادم
“سقوط حر.. بين الشعاع المظلم و الانعتاق المؤلم”
تابعوني بإذن الله ^^
سلام
الإعلانات

نفحات من حياتي (2)

السلام عليكم و رحمة الله 
ها قد عدت كما وعدت بالجزء الثاني من القصة.. أتمنى أن تستمتعوا بقراءتها ^^
1167354yin8tsiepj_zps3ef9e4ed (2)
الجزء الثاني: 
“حنين.. منعطف في طريق القدر”
58078793d609143b699e80074a080009
استيقظت على صوت رنين هاتفي النقال فحملته بتكاسل و نظرت إلى الشاشة لأجد رسالة واردة. كانت من جهاد يقول فيها: “استيقظي أيتها الكسولة، ستفوتك النزهة” ضحكت على رسالته، لكنني فكرت..
غريب أنه يحتفظ برقمي، ربما أعطته أمي إياه.. لا، من غير الممكن أن تفعل أمي هذا و هي التي تسعى أن تبعدني عنه دائما. هل من الممكن أنه يحتفظ به مذ أرسلت له قبل ثلاث سنوات أخبره عن زفاف أختي شهد؟ ممكن، فأنا أيضا أحتفظ برقمه من يومها و مع ذلك لم أجرؤ و لا مرّة على الاتصال به.
و ما الذي يجلبه إلى تفكيري الآن لا بد أن أنساه. أنا حتى لا أعرف إن كان يهتم لأمري أم لا. هه، ما هذه التفاهة التي أتفوّه بها؟ من غير المعقول أن يكنّ لي مشاعرا أو يهتم بي و هو لم يرني أو يسمع عني سوى مرّة أو مرّتين خلال سبع سنوات. جهاد ليس بطلا في رواية رومنسية لأخدع نفسي بفكرة مجنونة من هذا النوع.
نفضت كل هذه الأفكار من رأسي و نظرت إلى ساعة المنبه فوجدتها قد تجاوزت العاشرة. قمت فزعة من مكاني حين أدركت أنني متأخرة حقا عن موعد النزهة. ارتديت ملابسي على عجل و كلي خوف أن يكونوا قد ذهبوا و تركوني لوحدي. خرجت من غرفتي و توجهت نحو غرفة الجلوس حيث كانت سها جالسة تشاهد التلفاز و ما إن رأتني حتى قالت مبتسمة:
“استيقظت؟ هيا تناولي إفطارك لنذهب سويا”
سألت و أنا أنظر حولي:
“أين الآخرون؟”
“لقد سبقونا و بقيت أنا لأصحبك معي. لم ترغب أمي بإيقاظك باكرا، قالت أنك متعبة و لا بدّ”
ابتسمت و توجهت إلى غرفة الطعام فوجدت جهاد جالسا على أحد الكراسي المحيطة بالمائدة يقرأ مجلة اقتصادية، و ما إن رآني حتى ابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي تعودت عليها منذ وصولي. كان يبدو وسيما جدا بذلك القميص الرمادي و البنطال الأسود اللذين زاد وجهه الأسمر رونقا.
“آه.. استيقظتِ أخيرا.. يبدو أن المدينة أثرت على سلوكك”
ضحكت و أنا أجلس على كرسي يقابله:
“بل الأرق هو من فعل.. لم أنم البارحة جيدا”
قطب حاجبيه و تساءل:
 “مازلت على نفس عادتك إذن؟ لا تستطيعين النوم جيدا إن غيرتِ المكان؟”
ابتسم مردفا:
“لا عليك ستتعودين بعد ثلاثة أيام”
ابتسمت و أنا أشعر بسعادة بالغة لأنه لا يزال يتذكر عاداتي و طباعي.. تناولت إفطاري بصمت ثم قمت قائلة:
“حسنا، سأذهب الآن إلى اللقاء”
لوح لي بيده و قال:
“إلى اللقاء، و… أتمنى أن يأكلك دب أو نمر، أو أن تسقطي من على شجرة”
و ضحك مستفزا فأجبت و أنا أضحك:
“أصبحت غابتكم تنتج الدببة و النمور؟ محاولة جيدة…لا تخف، فأنا لم أنس كيف يعيش المرء في الريف”
توجهت نحو الباب ثم استدرت نحوه و أردفت مبتسمة بهدوء:
“لم تتغير أبدا، أليس كذلك؟”
رد لي الابتسامة:
“و لن أفعل”
_______________________
كانت التلال في حلة رائعة، ليست في مثل بهاء الربيع و لكن الصيف له لمسته الخاصة على هذه المنطقة البريّة. كنت أجلس مع أمي و خالتي نتبادل أطراف الحديث في سفح التل حين أتت إليّ التوأمان و قالتا وهما تسحبانني معهما:
“تعالي معنا أماني سنصعد إلى أعلى التل”
قمت معهما و أنا فرحة بالخلاص من حديث النساء الممل، كما أنني كنت أرغب في التوغل قليلا في الغابة، هتفت خالتي منبّهة:
“احذرن من الابتعاد كثيرا يا فتيات”
لوحت لها بيدي و قلت أطمئنها:
“لا تخافي خالتي.. أظننا نعرف المكان جيدا”
و صعدنا إلى أعلى التل حيث بدأت الفتاتان بالجري في كل مكان و هما تصرخان بفرح، أما أنا فقد رأيت شجيرة توت برّي فرحت أقطف منها الثميرات الناضجة و جلست على العشب منادية الفتاتين لتأكلا معي.
اغتنمت فرصة جلوسنا لوحدنا و تجاوزت صمتي و تجاهلي كل هذه السنوات و سألت:
“أين يعمل جهاد؟”
أجابتني سها و هي تأكل حبة توت:
“ممثل شركة تجارية في الخارج”
عارضت مها مجيبة:
“كان ذلك قبل عامين سها.. هو الآن رئيس قسم الحسابات في تلك الشركة، أنسيت؟”
هزّت رأسها نفيا و تابعت بطريقة تدل على الاستياء:
“أنت خارجة عن نطاق الأحداث تماما أختي”
سألتُ مرّة أخرى:
“إذن هو في الخارج منذ عامين.. ألا يحضر إلى البيت كثيرا؟”
أجابت مها:
“مرة أو مرتين كل أربع أشهر.. نشتاق إليه كثيرا”
أضافت سها:
“إلا هذه المرة.. فقد جاء الشهر الماضي من أجل العمل ثم ذهب، وعاد مجددا قبل يومين في إجازة”
عقبت مها:
“هذا صحيح.. هو لم يفعل هذا من قبل.. لم يكن ينوِ العودة هذا الشهر إلا عندما…”
سألتها بلهفة:
“ماذا؟ إلا عند ماذا؟”
ابتسمت الفتاتان بمكر و أجابتا معا:
“إلا عندما سمعنا نتكلم عن مجيئك لقضاء العطلة عندنا”
ارتجفت أوصالي لما سمعته لكنني حاولت إخفاء تأثري و ضحكت بارتباك كما أفعل عادة و قلت:
“أنتما تهذيان”
ضحكتا على ارتباكي و وجهي الذي صار أحمر دون أدنى شك، و مع أنني تخوّفت كثيرا من شدة ملاحظة الفتاتين رغم صغر سنهما إلا أنني خاطرت بإلقاء سؤال آخر:
“إذن.. عامان في الغربة.. أليست له خطيبة، صديقة؟ اممم لا أدري، شيء من هذا القبيل؟”
نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض و عادتا إلى النظر إلي بطريقتهما الماكرة و قالت مها:
“لا، لا شيء من هذا القبيل.. ليس في الخارج على الأقل”
وقعت جملتها الأخيرة من نفسي موقع الألم من الجرح و نظرت متسائلة فقالت سها:
“نعتقد أنه يحب فتاة من هنا.. فتاة يعرفها منذ مدة”
ازدادت تساؤلاتي مع كل حرف تنطق به هاتان الفتاتان و صرت خائفة مما قد أسمعه. حتما لديه فتاة أخرى يحبها، ما الذي علــّقني به إذن؟ لماذا سمحت لنفسي بالانجراف خلف عواطف دفنتها لسنوات خلال يوم واحد فقط؟ لا يجب عليّ أن أفكر به أكثر مما فعلت، عليّ إيجاد حل بسرعة، خاصة و إن كنت سأقضي معه العطلة تحت السقف نفسه، يجب أن ألفق حجة لأمي حتى أعود إلى البيت مهما كان. لم أفكر ولا لهنيهة أن الفتاة قد تكون أنا لأن هذا مستحيل، المنطق السليم يقول أن هذا مستحيل و غير ممكن، ومهما كانت تلميحات الفتاتين تزرع الأمل في نفسي إلا أن تصديقها و التعلق بها ضرب من الجنون. لكن من؟ من هي الفتاة التي استطاعت الاستحواذ على جهاد لدرجة أنه لم ينظر إلى فتيات الخارج؟ من التي استطاعت جعله رجلا بعدما كان طفلا مشاكسا؟
أعادني صوت سها إلى عالم الواقع حين قالت:
“أنت تحبين أخي، أليس كذلك أماني؟”
ارتبكت و لم أعرف بم أجيب فتابعت مها:
“نعلم أنك تحبينه.. ذلك واضح عليك و لا يمكنك إخفاؤه. طريقة نظرك إليه، كلامك معه أو عنه، ارتجافك حين ذكر اسمه، كل هذا يدل على أنك تكنين له مشاعر يا أماني.. أخبرينا، نحن نحبك أنتِ و نعدك أننا سنساعدك”
“لقد جننتما حتما”
قلت بابتسامة متقنة في محاولة جادة للتملص من كلامهما. حاولت إخفاء ارتجافي و قمت من مكاني و أنا أقول:
“أنا ذاهبة لأجمع المزيد من التوت.. سآخذ بعضه لجهاد فهو يحبه كثيرا”
آه، يالي من حمقاء.. لم قلت ذلك؟ ستتأكد شكوك هاتين الصغيرتين الآن. و بالفعل سمعتهما تضحكان خلفي و تقولان:
“أرأيت؟”
مشيت مبتعدة نحو شجيرات التوت و اضطرابي يفوق التصوّر، يا لهاتين الفتاتين، لديهما ملاحظات حادة تفوق سنهما، إنهما فضوليتان و دقيقتا التصور و الاستنتاج، ستكونان صحفيتين رائعتين في المستقبل.
استمررت بالمشي و أنا أفكر فيما قالتاه لي عن جهاد. ترى هل يمكن أن تكون له حبيبة في مكان ما؟ هل يحبها؟ هل من الممكن أنه سيتزوجها؟
لكن من هي؟ من يمكن أن تكون؟ لحظة.. أيمكن أن تكون هي؟ همست مستغربة:
“كوثر؟”
“إنهما يحبان بعضهما مذ كانا صغيرين”
التفتت خلفي لأرى أن التوأمين تسيران ورائي و تجمعان التوت. أردفت سها:
“جهاد و كوثر ابنة عمي مقربان منذ الصغر، كيف يعقل أنك لم تلاحظي أماني؟”
همست و أنا شبه مصدومة:
“هـ.. هل.. كنتما تتبعانني؟”
أجابت سها:
“كلا.. أقصد.. كنا خائفتين أن تضلـّي طريقك”
بقيت أنظر إليهما بصدمة و أنا أشعر أن كل شيء فيّ يرتجف.. كان صدى كلماتهما يتردد في الفراغ الذي يملأ جوانحي.. لم أستطع الصمود أكثر فركضت مبتعدة عنهما و أنا أصرخ داخلي:
“مستحيل.. إنهما تكذبان.. لا يمكن أن يكون جهاد و كوثر مغرمين.. هما أبعد ما يكون عن بعضهما.. كل منهما له شخصية مختلفة تمام الاختلاف عن الآخر.. مستحيل”
لم أشعر بنفسي إلا و أنا أسقط على حافة منحدر لم أعرف من أين أتى و لا كيف وصلت إليه.. يبدو أنني توغلت كثيرا في الغابة دون أن أنتبه.. كل ما أذكره أنني صرخت طالبة النجدة:
“جهــــــــــــــــــــــــــــــــاد”
tumblr_ng2c1iwCWY1sk1rjvo1_500
و أحسست بيد تمسك بمعصمي لتوقف انزلاقي المؤلم فوق الصخور و تجذبني إلى الأعلى. نظرت إلى الشخص الذي أمسكني و همست مندهشة:
“جهاد”
قطب جهاد حاجبيه و هو يجذبني نحوه و يقول بقلق:
“هل أنتِ بخير؟”
نظرت إليه مدة ثم أجبت و أنا أحاول القيام:
أجل أنا بخـ… آه”
شعرت بقدمي تؤلمني لدرجة أنني  تمسكت بجهاد كيلا أقع، لكنني رفعت رأسي بتلقائية نحوه لأرى نظرات القلق في عينيه.. شعرت بالحزن لذلك، و انتابني غضب كبير حين تذكرت كلام سها و مها.. التقت عينانا في لحظة أحسست أنها أطول من أن تنتهي و سألت:
“كيف عثرت عليّ؟”
لم تختف النظرات القلقة من عينيه حين أجاب:
“كنت أتجول في الأرجاء حين سمعتك تصرخين”
أنزلت رأسي حين تذكرت أنني صرخت منادية باسمه حين وقعت.. و سمعته يضيف:
“أعادني صراخك باسمي إلى تلك الأيام التي كنت تقعين فيها في المشاكل فتطلبين نجدتي”
نظرت إليه فوجدته يرسم ابتسامة رائعة على محياه، تدافعت الأحداث في رأسي بقوة و اختلطت عليّ كل أنواع المشاعر و لم أمنع نفسي من الاندفاع نحوه لأدفن وجهي في صدره، تعلقت به كطفلة صغيرة و رحت أبكي بشدة، كانت شهقاتي متتالية و مسموعة و شعرت بذراعي جهاد تحيطان بي و تضمانني إليه بقوة و هو يقول بهدوء:
“لا عليك يا أماني.. أنا معك، لا تخافي من شيء يا صغيرتي”
بثـّت كلماته دفئا غريبا في روحي و بعثت الطمأنينة في نفسي فاستكنت إليه و بدأ بكائي يخفّ تدريجيا و كأنني أزحت عن كاهلي حملا عظيما. كل ذلك التجاهل طيلة أعوام جعلني أشعر بالتعب و الإرهاق، لكنني شعرت بجزء كبير منه ينزاح حين بكيت الآن.
فجأة طرق كلام أمي ذهني بقوة و تردد حولي ما سمعته من التوأمين قبل قليل و أدركت أنني عدت إلى الواقع، و يا ليتني لم أعد، فقد ابتعدت بسرعة عن جهاد بطريقة أفزعته فقال:
“ماذا هناك أماني؟”
خطوت إلى الخلف متجاهلة ألم قدمي و قلت:
“شكرا على مساعدتي.. و اعذرني على تصرفي الطائش”
استدرت لأذهب و أضفت:
“ستقلق أمي إن لم أعد الآن”
“لقد تغيرت أماني.. ما الذي جرى لك خلال غيابي؟”
لم أستطع الإجابة و أنا أحس بكل كلمة من كلماته تطعنني لتوقظ ما قد نام من جروحي، توقفت قليلا و قلت دون أن أستدير نحوه:
“أعذرني جهاد لا يمكنني فعل شيء.. الكل يتغير”
صمتت قليلا ثم تابعت بكل البرودة التي أملك:
“أتمنى لك السعادة مع كوثر.. حقا”
ركضت مبتعدة  عن المكان بأقصى سرعة أدركتها و نسيت تماما أن قدمي تؤلمني، و بعد لحظات كنت مع الفتاتين في أعلى التل، حيث ساعدتاني على تنظيف ملابسي و جرحي و جلستا دون أن تتحدثا على غير عادتهما، ربما لأنها قدّرتا الوجه الفزع و الملامح الحزينة التي رأتاني بها حين خرجت راكضة من الغابة.
بعد مدة قدّمت لي مها كيسا مليئا بالتوت البري و قالت:
“تفضلي، يمكنك أن تأخذي هذا لجهاد لأنك لم تتمكني من جمع المزيد”
نظرت إليهما فوجدتهما تتطلعان إلي بأسى و كأنهما نادمتان، و بالفعل قالت سها:
“نحن آسفتان إن ضايقناك بكلامنا قبل قليل”
هززت رأسي بأن لا بأس فابتسمتا تلقائيا.. قالت مها:
“من حسن حظك أنك متعودة على الغابة و إلا فلم تكوني لتتمكني من العودة وحدك بعد السقوط من الجرف”
ابتسمت بمرارة و أنا أتذكر ما حدث فعلا، لقد نسيت تعوّدي على الغابة، خاصة في حالتي النفسية تلك، و لولا قدوم جهاد في الوقت المناسب لما علمت ما قد يحدث لي.
تكلمت سها مازحة بمرح كي تنسيني الألم ربما:
“إذن، هل ستعترفين أنك… تحبين أخي؟”
نظرت إليها شقيقتها بتحذير فلم تأبه لها و تابعت:
“هيا أماني، نحن أختاك، هيا أخبرينا”
رفعت أحد حاجبيها و تابعت بمشاكسة:
“رغم كل شيء.. أخي وسيم و لا يُقاوم”
ضربتها مها بخفة على كتفها و قالت معاتبة:
“توقفي عن إزعاجها سها”
سرحت كثيرا فيما يحصل و فكرت.. هل هذا حقيقي؟ هل أحب جهاد حقا؟ لطالما كانت تقفز هذه الفكرة إلى رأسي لكنني أسارع إلى طمسها، لكنها تلحّ عليّ هذه المرة و لا ترغب في مفارقتي. حتى لو كان ذلك صحيحا، وأتمنى ألا يكون، فأنا لا أريد أن أعترف بحبه حتى لو كان ذلك بيني و بين نفسي. سيؤذيني الأمر أكثر مما أنا عليه الآن إن فعلت، لأنه سيجعلني أستسلم.. أستسلم لعدة أمور.. سأستسلم لحبه، لاستحالة مصيرنا معا، لكونه يحب أخرى، سأستسلم للألم و العذاب و سيرهقني ذلك، سيقودني إلى حتفي إن لم أقاومه.
و حتى لو اعترفت بأني أحبه، لا يمكنني أن أقول ذلك لأي شخص، لا يمكنني السماح لأي أحد أن يعرف ذلك قبله.. قبل جهاد، لأنه الوحيد الذي يستحق أن ينتزع مني اعترافا.
لكن ما الفائدة من كل تفكيري ما دمت لا أستطيع أن أبقى معه، أحب أمي، و لا يمكنني جرح مشاعرها أو إيلامها إن غضضت الطرف عما تريده و تعلقت بأنانيتي و رفضت مطلبها. فأنا متأكدة أنها لم تطلب مني الابتعاد عن جهاد إلا لأنها تحبني، إلا لأنها تحبنا كلينا.
حاولت أخيرا فعل ما اقتنعت به و قلت للفتاتين بعدما أخذت نفسا عميقا:
“أحب جهاد، لكن ليس كما تتصوران… أنا و جهاد نشأنا معا و لعبنا معا.. عشنا معا لسنوات كأخوين… و مازلنا كذلك.. و لقاؤنا بعد كل هذه السنوات لا يغير شيئا، صدقا”
أضفت بهمس:
“جهاد أخي مثلما هو أخوكما”
نظرت إليّ الفتاتان مستغربتين من تناقضي على الأرجح، لكنهما لم تحصلا على فرصة للاعتراض أو طرح المزيد من الأسئلة، فقد نهضت مسرعة و قلت:
“هيا، سنغادر. سها أخبري أمي أنني عدت للمنزل ولا تخبريها شيئا عن سقوطي، مها رافقيني”
استدرت لأذهب و فوجئت برؤية جهاد واقفا أمامي، و من ملامحه كان يبدو أنه استمع إلى كل حديثنا. شعرت بالخوف من نظراته و مع هذا فقد أحسست ببعض الارتياح لأنني استطعت حسم أمري و قراري.
نظرت إليه قليلا لكنني لم ألبث أن قلت و أنا أسير أسفل التل:
“هيا يا بنات.. لنذهب”
1167354yin8tsiepj_zps3ef9e4ed (2)
انتهى الجزء الثاني 
انتظروني بإذن الله في الجزء الثالث تحت عنوان:
“الاعتراف.. تورد الشفق أم الأصيل”
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
في أمان الله 

نفحات من حياتي (1)

السلام عليكم ورحمة الله

هذه القصة كتبتها قبل مدة عام 2011 و كنت أظن أنها من الأشياء التي لا يجب أن تنشر في العلن

ظننت يوما أنها خاصة بي و لذلك لم أجعل أحدا يقرؤها سوى أصدقائي المقربين، و قلة أخرى

لكن الآن أظن الوقت قد حان لنشرها و بدل الاحتفاظ بها..

فقد تكون سبيلا لدخول النور إلى بعض العتمة التي احتلت زوايا حياة…

لم أعد أعرف كيف أسميها.

هذه القصة عزيزة جدا على قلبي و لا أظن أن قصة أخرى سأكتبها ستحتل نفس المكانة التي احتلتها هذه “العزيزة”..

مع أنها لا تصل لربع مستوى الكتاب الذين أعشقهم و أتخذهم قدوة لي إلا أنني أفتخر بها كثيرا لعدة أسباب و أحبها.. و أرجو أن أستطيع إيصال بعض من حبي لها إلى قلوبكم..

لا يمكنني تسميتها رواية لأنها ليس بذلك الطول.. كما أنني سأقسمها على تدوينات متفرقة مرفقة بأرقام الأجزاء.

يبدو أنني أكثرت الثرثرة.. لذلك عذرا و تفضلوا معي إلى عتبات:

“نفحات من حياتي”

_________________________

1167354yin8tsiepj_zps3ef9e4ed (2)

نفحات من حياتي: الجزء الأول

“اللقاء الاثير.. عودة من سبات الماضي”

*** *** *** *** *** 

لم أعد أحسب الوقت.. منذ مدة طويلة توقفت عن الإحساس بما حولي.. لست أدري تماما ما الذي يجري خارج هذه الجدران.. و ما الذي سيهمني مما يجري مادمت أعرف أن ما أبحث عنه غير موجود.. لن أسعد و لن أحزن لأي خبر بعد الآن.

~ ~ ~ ~ ~

large

أذكر جيدا ذلك اليوم الذي حمل لي في أعطافه كل متناقضات الكون، و لم أعرف إن كان يجدر بي مدّ يدي أنا أيضا لكني مددتها نحوه و صافحته متجاهلة كل الأعين المتوجهة نحونا، و كأنني كنت وحيدة مع ذلك الكف الدافئ الذي ضم يدي.

“كيف حالك سيدي؟ مضى وقت طويل”

لم يجب بل ابتسم فقط، ابتسم ليجعلني أسمع كل الإجابات الممكنة. ابتسمت أنا أيضا و لم يكن يهمني ما سيجرّه عليّ تصرفي الأهوج، لم أكترث لأني كنت سعيدة جدا لحظتها و لم أشأ أن أفسد فرحتي.

“أهلا بك مجددا في بيتنا آنستي.. أظنهم اهتموا بك جيدا، أليس كذلك؟”

هززت رأسي إيجابا فابتسم مردفا:

“إذن، أتمنى لك طيب المقام بيننا”

أفلت يدي و انسحب بهدوء عاصف تماما كما دخل، أما أنا فقد بقيت أقبض على يدي بقوة و كأنني خائفة من أن ينفلت منها كل ذلك الدفء الذي أحاط بها منذ لحظة. لم أكن أجيب على معظم أسئلة الخالة، بينما كانت ثرثرة الفتاتين تبدو صادرة من مكان آخر إذ لم أكن أفهم منها شيئا.

استأذنتنا المرأة بعد لحظات لأبقى وحدي مع الفتاتين. حينها همست سها مبتسمة بمكر:

“يبدو أن أخي معجب بك أماني”

جفلت قليلا و أنا أنظر إليها باستغراب بينما عقبت مها:

“سها على حق.. لم أر جهاد يمسك بيد فتاة كل ذلك الوقت، و يكلمها بكل تلك اللباقة”

ضحكت بارتباك لأدفع التهمة عن نفسي:

“كلا، لا أؤيدكما، أنا و جهاد نعرف بعضنا مذ كنا أطفالا، و لهذا السبب فهو يكلمني بلباقة.. من المضحك أن يكون ما تقولانه صحيحا”

هزت التوأمان رأسيهما نفيا و على وجههما نفس الابتسامة الماكرة و قالت مها:

“و لهذا السبب نقول هذا، فأخي لا تعجبه أي فتاة”

تابعت سها:

“هو دائما يقول أنه لن يمنح حبه إلا لمن يعرفها جيدا و تستحق احترامه”

أحسست بوجهي يتضرّج خجلا و لم أعرف ما أجيب به هاتين الماكرتين الصغيرتين، يبدو أن هوايتهما في إقحام الآخرين في مواقف محرجة لم تتغير قط، و مع أنني كنت قادرة على دفعهما برد مناسب إلا أنني لم أرغب في فعل ذلك. نظرت إلى يدي اليمنى مطولا و طاف خيالي إلى تلك الملامح التي لم أرها منذ سبع سنوات تقريبا،منذ كنت في الثالثة عشر. لقد تغير كثيرا، صار أكثر وسامة. و أحسست بالخجل مرة أخرى للتفكير فيه، و قفز كلام أمي إلى ذهني مجددا: “إياك و التفكير في أي انحناء آخر لعلاقتك بجهاد.. جهاد أخوك، لطالما كان و سيبقى كذلك”.

سمعت صوتا مألوفا أخرجني من دوامة ذكرياتي:

“آه، وصلتِ أخيرا”

نهضت من مكاني مسرعة و قفزت محتضنة أمي بسعادة بالغة، لم أرها منذ شهر، فقد كنت مرغمة على البقاء في المدينة كي أكمل سنتي الدراسية بينما مكثت أمي في منزل السيد عبد العزيز والد جهاد لتبتعد قليلا عن ضوضاء المدينة كما نصحها الطبيب مؤخرا. و ها أنا ذي ألحق بها بعدما أنهيت امتحاناتي كما وعدت.

“أمي.. اشتقت لك كثيرا”

عانقتني أمي بدورها و قالت و هي تقبلني:

“كيف كانت رحلتك؟ لا بد أنك متعبة”

نفيت تعبي بإشارة من رأسي مع أن التعب كان يأكل جسدي أكلا، إلا أنني كنت أريد قضاء بقية الأمسية مع العائلة.

تكلمت سها بتسرع كعادتها:

“لقد عرضنا عليها صباحا أن يوصلها جهاد من المحطة لكنها رفضت”

حدجتني أمي بنظرة محذرة فأجبت بهدوء:

“لقد كانت لديّ بعض الأشغال لأقضيها قبل المجيء إلى المنزل و كنت سأرهقه معي في كل ذلك اللف و الدوران”

أبعدت أمي نظراتها إلى الفتاتين و ابتسمت تتحدث معهما بينما ذهبت أنا إلى الغرفة المجهّزة لي. كانت غرفة في الطابق الأرضي، فلم أكن أحب السلالم على أية حال و كانت السيدة عفاف والدة جهاد تعرف هذا. استحممت و غيّرت ملابسي و خرجت إلى الحديقة لأجلس مع أمي و التوأمين و والدتهما.

مرّ المساء سريعا كنت فيه طول الوقت منشغلة في الإجابة عن أسئلة أمي و الخالة عفاف عن الجامعة و أحوال المدينة في الشهر الأخير، و كان امتعاض الفتاتين واضحا بسبب استحواذ المرأتين على الحديث.

انضمّ إلينا جهاد على مائدة العشاء و لم يكن الأمر جيدا بالنسبة لي فقد رغبت بشدة في الانسحاب كيلا أرى نظرات أمي الملتهبة و لا نظرات جهاد المبهمة. لم أكن أرغب في إحياء العواطف القديمة التي جاهدت كثيرا لإخفائها و التخلص منها. أعلم أنني كنت مجرد مراهقة صغيرة منذ آخر مرّة التقينا فيها، لكن المشاعر الطفولية التي كنت أكنها له كبرت مع الوقت و خاصة عندما نهتني أمي عن التفكير فيه جديا، فمن عادتي أن أتعلـّق بالشيء أكثر عندما أُمنَع منه. و كأن أمي بتحذيرها لي قد أيقظت فيّ ما كان كامنا و نبّهتني إلى ما لم أكن أراه.

كنت قد نسيت أو بالأحرى تناسيت ما يمكن أن أكنه من عواطف لجهاد، و حاولت الابتعاد قدر الإمكان عن ذكره مع أن ذلك مستحيل لأنه يبقى قريبا من العائلة، فعائلتانا صديقتان منذ زمن و لا يمكنني منع ذكر اسمه أو جلب سيرته إلى المنزل. حتى أمي التي تمنعني من التفكير فيه، لا تنفكّ تتكلمعنه و تذكر محاسنه. كان صعبا عليّ أن أنسى أنه لا يزال موجودا لكنني تمكنت أخيرا من طمر كل ذكرياتي عنه و دفنتها في القاع المظلم لقلبي حيث لا سبيل إلى نبشها.

كانت وجهة نظر أمي مجحفة بالنسبة لي لكنها منطقية إن أعدت التفكير، فهي تقول دائما أن الزيجات تفرق بين العائلات. لذلك لم تكن ترغب في أن تفرق علاقة عاطفية ما العلاقة الجيدة بين أسرتنا و أسرة جهاد لأنهما صديقتان منذ زمن كون أمي و الخالة عفاف أختان بالرضاعة، و من يدري فلربما كانت تلك أيضا وجهة نظر السيدة عفاف.

أعادني صوت أمي إلى الواقع بسؤالها لجهاد:

“إذن جهاد، كيف حال العمل معك؟”

استغربت سؤال أمي هذا فلماذا قد تسأله هذا السؤال وهي هنا منذ شهر؟ بقيت أرمي نظراتي فوق طبق الأكل لكن تركيزي انصب على ما سيقول فقد كنت أنا أيضا أرغب في سماع الإجابة إذ أنني لم أعرف أي خبر عنه منذ ثلاث سنين تقريبا بسبب انسحابي من المكان كلما سمعت أفراد أسرتي يتحدّثون عنه.. و سمعته يجيب بهدوء:

“لا يترك لي العمل حتى فرصة البقاء في المنزل.. كما ترين، لم أرجع من سفري سوى البارحة”

رفعت رأسي أنظر إليه باندهاش لافتة نظر الجميع إليّ، لكنني عدت لأخفضه و تابعت أكلي بتجاهل، و قالت أمي:

“أنت هكذا منذ سنتين، عليك أن تعود إلى وطنك لتستقر فيه”

أردفت الخالة عفاف بامتعاض:

“معك حق يا هالة، لقد تعبت من إخباره بهذا”

ابتسم جهاد بنفس الهدوء و أجاب:

“لا عليكما يا عزيزتيّ.. أخبرتكما أنني سأنهي عقدي و أعود بإذن الله، ليس لدي ما يربطني بالخارج”

ابتسمت والدته بارتياح و تغير مجرى الحديث إلى كل جانب و كنت الوحيدة التي لم تنطق بكلمة طيلة الوقت خاصة مع نظرات جهاد التي لم تفارقني فكنت أحس أنها تلفحني لفحا.

و اضطررت للاعتذار قبل أن ينتهي العشاء حتى لا أتعرض للإجهاد أكثر مما أنا فيه. و توجهت رأسا إلى غرفتي متجنبة الجميع. بعد لحظات طـُرِق الباب و أطلت التوأمان من خلفه مبتسمتين كالعادة و قالتا معا:

“مرحبا”

لم أكن قد ارتديت ملابس النوم بعد بل جلست على حافة السرير و رأسي بين يدي و لم أرفعه إلا حينما رأيتهما. قالت مها:

“ألم تنامي بعد؟”

و تابعت سها:

“خفنا أن نزعجك”

ابتسمت و طلبت منهما الدخول فأسرعتا بالجلوس إلى جانبي و بادرت سها:

“أردنا أن نخبرك أننا سنخرج في نزهة إلى التلال غدا”

تابعت مها بمرح:

“هل سترافقيننا؟”

سألتهما باهتمام:

“و من سيرافقنا؟”

“أمي و أمك”

أحسست ببعض الإحباط لأن جهاد لن يكون حاضرا لكن سرعان ما لمت نفسي على التفكير فيه و ابتسمت للشقيقتين:

“بالطبع سأذهب إن شاء الله”

قامت الفتاتان لتخرجا و قالت مها:

“حسنا سنتركك لتنامي، لا بد أنك متعبة”

أردفت سها و هي تتبع أختها نحو الباب:

“كما أن عليك الاستيقاظ باكرا لتذهبي معنا غدا”

“و إلى أين ستذهبون؟”

وصل ذلك الصوت الهادئ إلى مسامعي كجرس إنذار جعل قلبي يخفق بشدّة فرفعت رأسي مسرعة نحو الباب و هتفت:

“جهاد!”

سألت التوأمان معا:

“ماذا تفعل هنا؟”

أجاب و هو ينظر إلى طرف الرواق:

“جئت إلى مكتبي لأنهي بعض العمل”

نظرت إليه سها بشك رافعة أحد حاجبيها:

“ليس من عادتك العمل في مكتبك في الليل”

رد جهاد ممسكا إياها من وجنتيها:

“و ما شأنك أنت أيتها المشاكسة؟”

ثم مدّ كلتا يديه نحو الفتاتين و أخرجهما من الغرفة قائلا:

“و أيضا.. ألم تحذركما أمي من إزعاج أماني؟ هيا إلى غرفتيكما حالا”

و دفعهما ممازحا خارج الغرفة و ما إن صارتا في الرواق حتى انفجرتا ضحكا و غادرتا المكان. أما أنا فقلت بعتاب لطيف:

“كانتا تطلبان مني الخروج في نزهة إلى التلال غدا، لم طردتهما؟”

ضحك جهاد و أجاب:

“لا تخافي هما متعودتان عليّ.. ولو لم أفعل هذا لبقيتا معك إلى منتصف الليل”

ضحكت بخفة على كلامه لكنني صمتّ محرجة حين رأيته يحدق إليّ، فقلت بخجل:

“إنهما رائعتان”

أجاب:

“أجل.. و لا تكفـّان عن الكلام أيضا.. تذكرانني بشخص ما حين كان في سنهما”

ضحكت حين انتبهت أنه يقصدني بكلامه، فتماما كما قال، عندما كنت في الثالثة عشر مثل التوأمين كنت لا أكف عن الكلام.

قال بصوت عميق:

“أمازلت تذكرين تلك الأيام؟”

أومأت بالإيجاب فتابع:

“لقد مضى وقت طويل.. صرت شابة الآن”

ابتسمت بخجل و أجبت:

“و أنت أيضا سيدي”

اعترض مسرعا:

“أرجوك لا تناديني سيدي مجددا، أشعر أنني مسن بهذا اللقب، كما أنني لست بغريب، أليس كذلك؟”

ضحكت على كلامه و أومأت موافقة، و مرّت بعدها لحظة صمت طويلة بيننا إلى أن قال:

“حسنا، سأذهب إلى مكتبي، تصبحين على خير”

و توجه نحو الباب فرددت:

“تصبح على خير”

خرج من الغرفة، و قبل أن يغلق الباب أضاف:

“مكتبي في آخر الرواق على جهة اليمين، سأكون هنا حتى ساعة متأخرة، إن احتجت شيئا فأنا في الخدمة”

“شكرا”

قلت باقتضاب و سارعت إلى إغلاق الباب خلفه و اتكأت عليه و أنا ألهث بشدة و كأنني سقطت من مرتفع سحيق.

ارتديت ملابس النوم و استلقيت بتعب على السرير و أنا أفكر في جهاد، و لازمني الأرق إلى أن سمعته يغلق باب مكتبه و يمشي في الرواق صاعدا إلى غرفته و عندما تأكدت أنه لم يعد بالجوار استسلمت للنوم ببعض الراحة.

هنا يتوقف الجزء الأول من القصة، أتمنى أن ينال إعجابكم، و ستكون البقية فيما بعد بإذن الله

انتظروني في الجزء الثاني بعنوان 

“حنين.. منعطف في طريق القدر”

سلام ^^

كلمات.. Lyrics

“إيه أصير أحسن فكم غيري وصل

تمسك بالأمل و سموه البطل

إيه أصير أحسن و لو عندي هموم

سما و فيها غيوم و عاليها النجوم”

(حمود الخضر_أصير أحسن)

كلمات الأغاني و الأناشيد تلهمني بشكل لا يوصف 

آخذ منها عبر الحياة و رقة المشاعر.. لست أعلم إن كان ذلك بسبب روحي الشعرية أم أن الجميع يحدث معهم ذلك.. تضحكني تحزنني، تبكيني أحيانا.. لكنني أستمد منها قوة كاتبيها.. لأستمر، لأقاوم، لأحلم و لأواصل الحلم. 

أغاني الأنمي و الرسوم المتحركة غالبا ما تكون المفضلة لدي.. أقصد من لم يتأثر بأغنية سالي “أنا جرح الزمان”، أو القناص و هو “من هو الصامد المغامر في وجه السيل”، أغنية أنمي نوار “غدا أو بعد غد”، و أغنية الشارة التي تنير قلبي دائما “حلمنا نهار.. نهارنا عمل” من أنمي عهد الأصدقاء. كلها فعلا رائعة و سيطول بي المقام لو ذكرتها جميعا.. لكن الأهم أنها تحمل معنى و مغزى في كل كلمة.. جربوها ^^

سلام

تحت قدمي أمي.. *جنة*

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

fa15ef5cfd4d9563370149745a3154e4

تحت قدمي أمي جنة

استهللت اليوم الغائم بصداع مرهق، فقد سهرت الليلة الماضية كثيرا للتحضير لبحثي و مع ذلك لا أظنني قد أتقنته جيدا.. ينبغي أن ألقيه اليوم أمام حشد من الطلبة و هذا ما يخيفني.. أرجو أن ينتهي كل شيء على ما يرام..

ابتسمت لأمي التي وضعت صحن الحلوى أمامي لأتناولها أنا ببطء بعد شكرها.. نظرت إلى وجهها المشرق طويلا ثم أفلتُّ اللجام لشفتي أن تقبّلا جبهتها قبلة طويلة قلت بعدها بترج:

أمي.. ادعي لي أن أنجح في إلقاء بحثي اليوم

شيعتني بنظرة هادئة مبتسمة و هي تهمس:

اذهبي يا ابنتي.. وفقك الله

..
..
..

وقفت بمواجهة الحشد الذي بدا لي و كأنه ينتظر فقط ارتجاف شفتي كي ينقض عليّ بالانتقادات و الأسئلة العويصة.. لكن صوتها تردد في خلدي كهمس لذيذ
وفقك الله

أغمضت عينيّ و تفكيري منحصر عند دعائها:

أجل.. إنه دعاء صادق من قلب أم.. لن يرد الله دعاء كهذا.. الله سيوفقني إن وضعت ثقتي الكاملة به و بأمي

هكذا طمأنت نفسي فاستعادت نبضها بعد قراءتي لبعض الآيات و الأدعية.. ثم.. فتحت عيني بثقة أكبر..

..
..

تماما كما تمنيت.. مرّ الأمر كالحلم.. لم يكن شيء في إلقائي ناقصا، فلساني لم يرتجف و القلم لم يهتز في يدي.. و كلامي لم يرتجّ رغم خوفي..

كان كل ذلك بفضل الله ثم دعاء أمي..

عدت إلى المنزل فرحة و أنا أعتزم النوم لما تبقى من ساعات اليوم حتى موعد العشاء.. كنت مرهقة جدا و لهذا غفوت بسرعة على سريري المرتب..

..
..
..

استيقظت على صوت أذان العشاء.. قمت من مكاني لأصلي و أتناول عشائي

جدولي الغذائي غيرُ منتظم مذ استأنفت الدراسة.. و مع ذلك أمي لا تترك شيئا مغذيا و مفيدا إلا و حضّرته لي..

لولا ذاك لما استطعت الحفاظ على صحتي وسط الفوضى التي أعيشها..

وجدت طاولة العشاء الزاخرة تنتظرني فجلست.. و بعد لحظات لحقتني أمي مرتدية مريلة المطبخ.. و ابتسامة عذبة على ثغرها.. لكن شيئا ما نغص عليّ صورتها الجميلة.. لست أعلم ما هو..

جلسنا نأكل معا هذه الأطباق الشهية التي أعدتها أنامل أمي السحرية.. و أمي تتحرى أخبار إلقائي بشوق و فرح لتوفيقي فيه..

و ما إن أنهينا العشاء حتى طلبت مني الذهاب لغرفتي فدراستي تنتظرني.. أما مائدة الأكل فستهتم هي بترتيبها..

كالعادة.. وافقت بسعادة لأن أمي تهتم لدراستي و تهمها راحتي.. لكني قبل أن أغادر، اكتشفت الأمر الذي نغصّ عليّ صورة أمي النضرة قبل قليل..

استوقفت الزمن حولي و أنا أراها تحمل الأطباق و تتجه بها إلى المغسلة.. توقف كل شيء و أنا أراها تسير مولية ظهرها لي..

لا صوت.. لا حركة.. لا همس.. لا نأمة.. و لا حتى طرفة عين

لكن في اللحظة التي أفلت فيها من يدي شريط الزمن ليعود الوقت للجريان.. تحرك كل شيء بسرعة..

نبض قلبي الذي اخترق صداه الآفاق.. عبرة قفزت فارة من عيني و كأنها تستهجنها.. شهقة أفلتت من فمي المفغور.. و نفس مضطرب منع عليّ كل تفكير عدا ما أراه أمامي.. أمي

إن خطوات أمي متثاقلة.. إنها أقرب إلى العرج.. أدنى إلى الألم.. ألزم إلى مقاومة الوجع..

الآن فقط عرفت ما المختلف في وجه أمي..

إنها متعبة لكنها تكابد و بشدة لإخفاء هذا الألم عن ناظري.. و لأني كنت دائما حمقاء، لم أسمع ألمها..

كيف لها ألا تتعب؟؟ كيف لها ألا تتألم؟؟ كيف لها ألا تشعر بالوجع؟؟

كيف لها.. و هي التي مذ ولدتني لم تعرف طعما للراحة.. إنها مذ أهدتني نسمات العالم تمنحني من ندى روحها كي أحس بالفرح..

اعتنت بي في صغري.. حين أجوع.. حين أبرد.. حين أبكي.. حين أمرض..

هي التي تهتم بكل ما يحوم حولي.. هي التي تهدهدني إذا خِفتُ الغيلان التي تسكن القصص..

حتى حين كبرت، لا أزال في نظرها تلك الصغيرة التي يجب أن تقوم أمها بكل شيء نيابة عنها..

فطبخت لي و اهتمت بصحتي و رتبت غرفتي و.. دعت الله ليوفقني في دراستي..

حتى أنها الآن ستغسل الأطباق التي أكلت فيها.. أنا..

و أنا ماذا فعلت غير أنني كنت أشاهدها تفعل كل هذا و ثغري باسم.. لم أعلم أن السنون تمضي في عمرها جالبة لها التعب و الإعياء..

لم أعلم أنني أنا من يجدر بي خدمتها الآن لا هي..

لم أعلم أن كل ما يجب أن أستجديه منها الآن هو الدعاء و البسمة الدافئة..

ركضت نحوها بشوق غبائي الذي غلفني كل هذه السنوات.. انتزعت الأطباق من يدها إلى المغسلة التي بجانبها ثم عانقتها بشدة و دموعي تغسل وجهي:

سامحيني يا أمي.. سامحيني

و مع أنني لم أقل أكثر من هذا إلا أن أمي بدت و كأنها فهمت كل ما جال بفكري في تلك الثانية المتوقفة.. فضمتني إلى صدرها الحنون بحرارة لتبعث في نفسي خجلا عظيما من نفسي..

..
..
..

استريحي يا أمي.. أنا من سيهتم بك اليوم.. قدماك تؤلمانك صحيح؟؟

أومأت إيجابا و نفس الابتسامة العذبة مرسومة على محياها الجميل.. الحبيب..

استرسلت في دلك قدميها و أنا أمسحهما من حين لآخر بزيت الزيتون حتى أنزع عنهما التعب و الألم.. فقد كانت أمي تفعل ذلك لي كلما مررت بيوم متعب.. خجلت من هذا.. كيف لي أن أعوض لها تعب سنين من عمرها أدتها في خدمة عمري..

يا لحمقي.. كيف لم أسمع نداء قلبك المتعب كل هذه الأعوام أمي؟

بصوتها الهادئ الرنان أتتني إجابة بقدر ما أخجلتني كانت في طياتها راحة كبيرة لي:

لم تسمعيه لأنه لم يكن موجودا أصلا.. فحتى لو كان جسدي متعبا من خدمتك، فقلبي يرقص طربا كلما شاهدتُ راحتك لخدمتي.. أنت ابنتي وليدة رحمي و بذرة قلبي، فلا تنسي

ابتسمت فرحا لهذا المقدار الهائل من الحب الذي يكنه قلب الأم لوليدها.. و فرحت أكثر لإحساسي بهذا الحب الذي تغدقني أمي به..

واصلت دلك قدميها بسعادة و نشاط.. لم أشعر بالتعب و لا الإرهاق، فهذه أقدام أمي..

توقفت قليلا بعد وقت لم أحسبه، لأجد أمي نائمة بتعب لكن ابتسامتها لا تزال تزين ثغرها.. فقررت الاستلقاء قليلا قبل أن أواصل عملي الذي اعتزمته حتى الصباح..

وضعت رأسي عند قدمي أمي.. كان الأمر مريحا، و لم تكن الرائحة المنبعثة رائحة زيت الزيتون، بل هي رائحة مسك عطرة تسلب الألباب.. أسبلت جفنيّ قليلا و إذا بي أرى ما لم أره في أجمل أحلامي نضرة و زهوا..

بساتين خلابة.. خضرة أخاذة.. رياحين جذابة.. روائح العطر و الشذى..

أصوات التغريد و الخرير.. أصوات الزقزقة و الحفيف..

و أجمل منها.. صوت عذب يناديني:

سها.. قومي يا ابنتي

إنه صوت أمي الذي فاق أعذب الأصوات بهاءً:

سها حبيبتي.. استيقظي إنها صلاة الفجر

فتحت عيني ببطء لأرى وجهها الباسم يرقبني.. و ما إن تأكدت أنني استيقظت حتى قالت ضاحكة:

سها.. لِمَ نمتِ هنا؟ طريقة نومك هذه غير مريحة

تلفتُّ حولي لأجد أنني كنت مستلقية بإهمال عند طرف سرير أمي.. و أمام قدميها.. ابتسمت بفرح و أجبت:

بالعكس.. لقد كنت نائمة في الجنة

تمت بحمد الله

بقلم: سمية بن عبد الله فقير 

بتاريخ: 08/02/2012

maxresdefault

تحت قدمي أمي.. *جنة*


ذات ليلة اجتاحني أرق طويــــل و لم أرغب في تضييع وقته متقلبة في الفراش

فأمسكت حاسوبي المدلل و رحت أنقر على أزراره دون توقف

ابتداء من الساعة الواحدة حتى الساعة الثانية إلا ربع صباحا.. و الكل نيام

أتمنى أنكم استمتعتم بقراءتها ^_^

و صل اللهم و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه إلى يوم الدين

خلف آلة بيع القهوة

55116

خلف آلة بيع القهوة

أصدرت الفكة داخل محفظة نقودي صوتا يتوسلني أن أخرجها فهي هناك منذ الصباح و لم أبتع بها شيئا يذكر، بل لم أستعملها إلا لتذاكر الحافلة.. كان الأمر محرِجا بالنسبة لفتاة تهتم بالمظاهر مثلي أن تخرج الفكة بدلا من الأوراق النقدية من حقيبتها، و نقمت على الحظ الذي جعل مصروفي اليوم على شكل قطع بدل ورقتين كالعادة.. إن أبي يتعمد إحراجي حتما..

حاولت إخفاء ضجيج القطع النقدية بالتقليل من سرعة مشيي إلى أن مررتُ بجانب آلة لبيع القهوة فتوقفت بسرور لإيجادي شيئا بإمكانه احتواء  بعض من هذه القمامة من المعادن المستديرة الصغيرة بدلا من محفظة نقودي.. لم تكن بي رغبة لشرب أي شيء، لكن الجو البارد يغري ببعض القهوة الساخنة..

وضعت ثلاث قطع داخل الفتحة الصغيرة للآلة ثم ضغطت على زر القهوة السوداء و بقيت أنتظر.. أتاني صوت من خلفي لطفلة تسائل أمها بتلقائية:

“ماما.. من يصنع شراب الشوكولا داخل هذه الآلة؟”

أعطتها الأم إجابة أنا نفسي استغربتها مع أنها المناسبة لعقل أي طفل:

“إنها السيدة شوكولا”

لم تكتفِ الفتاة بإجابتها بل سألت ثانية:

“و من يصنع القهوة التي تأخذينها منها؟”

لم يتمالك فضولي نفسه فدفع برأسي للخلف لأرى السائلة الصغيرة و قد قرصت الأم خديها الممتلئين مداعبة:

“إنها السيدة قهوة يا صغيرتي”

تابعت الطفلة أسئلتها بينما عدتُ أنا بنظري إلى الآلة الحمراء أتخيل أشكال السيدة شوكولا و السيدة قهوة التي تعد لي قهوتي الآن.. حدقت مطولا في الزر الأحمر الذي يعلو فتحة النقود و بدا أنه يتوهج بشكل أكبر من المعتاد.. حتى أن توهجه كان يتسبب لي بحرقة في عيني ففركتهما لأستعيد توازن بصري الذي انجذب للنعاس فجأة.. لكني حين فتحت عيني و بشكل خرافي كان كل شيء قد تغير.. نظرتُ حولي لتستعمر الصدمة كياني و تتسارع دقات قلبي مرسِلة أسئلة عديدة أولها:

“أين أنا؟ !!”

كان المكان أشبه بمدينة ملاهٍ تعبق بروائح الحليب و القهوة و الشاي و الشوكولا.. شلالات من ألوان مختلفة و أنهار تصب في بحيرات على شكل قدور قد امتزجت في نكهات و ألوان متعددة.. أما الأرض فكانت بيضاء تشبه السكر.. كان الأمر شبيها بالأساطير و الخرافات و تساءلت بهمس:

“أين أنا؟”

ما إن طرحتُ السؤال حتى سمعت خلفي إجابته:

“أنتِ في مدينة آلة القهوة”

التفتّ لأجد امرأة ببشرة سوداء و ملامح مسالمة هادئة فسألتها باستغراب:

“مدينة.. آلة القهوة؟”

أومأت مجيبة:

“أجل.. مدينة آلة القهوة.. هل استغربتِ الأمر؟ أنتِ داخل آلة بيع القهوة التي ترغبين بالشراء منها”

أشارت إلى ثلاث نسوة يقفن غير بعيد عنا و قالت:

“هؤلاء هنّ صديقاتي هنا و زميلاتي في العمل أيضا.. أنا السيدة قهوة”

“السيدة قهوة !!!”

شهقت مذهولة التفكير و أنا لا أعلم إن كنتُ قد تأثرت أكثر من اللازم بكلمات المرأة منذ قليل لطفلتها..

“أجل، أنا السيدة قهوة”

أشارت إلى المرأة بنية البشرة معرفة:

“و السيدة شوكولا”

ثم صاحبة الوجه المحمر:

“السيدة شاي”

و أخيرا كانت المرأة ناصعة البياض:

“و هذه السيدة حليب”

ابتسمت مواصلة حديثها:

“نحن الأربع ندير العمل في هذه المدينة.. كل واحدة منا تمتلك شلالا من الشلالات الأربعة.. تهتم به و تعتني بنظافته و درجة حرارته و أخيرا تقدم منه للزبائن في أحسن صورة و أشهى نكهة”

لوحت بيدها ناحية منحدر تعلوه بعض النقاط المضيئة و أردفت:

“من ذلك المنحدر تأتينا نقود الزبائن.. الفكة و القطع النقدية المعدنية التي تزدرينها هي زادنا و رزقنا الذي نكسبه بعرق جبيننا”

فهمت ما ترمي إليه فطأطأت رأسي محرجة و أنا أرى نظراتهن العاتبة نحوي.. أكملت السيدة قهوة شرحها:

“و تلك النقاط المضيئة هي ما يقابل أزرار الطلب في الآلة فنلبي لهم طلباتهم”

نظرتُ بانبهار من حولي لتسلبني روعة المكان و نشاطه بالرغم من أن عاملاته أربع نسوة فقط.. لقد كنّ يعملن بجد لتأدية أعمالهن و تنسيقها مع بعضهن البعض.. طلبات كثيرة و نشاط أكثر “قهوة سوداء.. قهوة بالحليب.. حليب بالشوكولا.. شاي بالحليب”.. عديدة هي النكهات التي كانت في هذه المدينة الصغيرة.. لاحظت السيدة قهوة انبهاري فخرج صوتها دافئا كدفء جو مدينتها:

“أأدركتِ الآن يا ابنتي أن خلف كل آلة أناسًا يعملون بجد؟”

أومأت برأسي إيجايا و الخجل من نفسي يملأ نفسي و أنا أسمع عتابها المبطن في كلماتها التي حملت نكهة القهوة، مرة لكنها لذيذة و منبهة.. استمررت بمشاهدة العمل الدؤوب حولي دون أن أنتبه للصوت الذي كرّر مناديا:

“قهوتكِ جاهزة.. قهوتكِ جاهزة يا آنسة”

استدرت خلفي لأرى المرأة الواقفة مع ابنتها كثيرة الأسئلة تناديني:

“يا آنسة، ألن تأخذي قهوتكِ؟”

نظرتُ إلى الشارع من حولي لأدرك أنني ما أزال واقفة في مكاني أمام آلة بيع القهوة و المرأة خلفي تنتظر دورها.. حملتُ كوب القهوة الساخن و قلتُ لها بصوت طوى في نبرته أسرار رحلتي إلى المدينة العجيبة:

“و كأن إعداد كوب القهوة استغرق وقتا أطول من المعتاد، أليس كذلك؟”

ابتسمت المرأة بتردد أوضح لي أنها لم تفهم مقصدي، بينما انحنيت أنا نحو الفتاة الصغيرة و أعطيتها آخر قطعة نقدية بقيت في محفظتي و قلتُ لها:

“اشتري لكِ كوبا من شراب الشوكولا.. أنا متأكدة أن السيدة شوكولا ستعد لكِ ألذ ما لديها”

ابتسمت الطفلة ببراءة أسعدتني فنظرتُ إلى الآلة مودعة دون أن أستغرب رؤيتها تغمز لي باسمة و أقصى يقيني أن تلك كانت ابتسامة السيدة قهوة..

استأنفت طريقي أرشف بحبور من كأس القهوة الدافئة في هذا الجو البارد متذكرة كلامها

“خلف كل آلة أناس يعملون بجد”

نظرتُ إلى الشارع متأملة أنواعا مختلفة من البشر و أصنافا عديدة من المهن.. فعلا هنالك من يعمل بتفانٍ خلف كل آلة و عليّ أن أقدرهم و أحترم أعمالهم.. حمدت ربي و أنا أوجّه خطواتي نحو المنزل لأقبل رأس أبي الإسكافي الذي عمل بجدٍّ و تفانٍ خلف آلتي المطرقة و السندان حتى يعطيني مصروف اليوم.

تمت بحمد الله

19/01/2013

هذه قصتي القصيرة التي أنجبها خيالي حينما كنت مع صديقاتي نشتري القهوة من آلة بيع القهوة الجديدة في الجامعة.. حين نطقت إحدى صديقاتي (ماذا لو أن هنالك امرأة في الداخل؟….)

طال الحديث بعدها و تشعب و أنا بقيت عالقة في المرأة التي تعد لنا القهوة داخل الآلة، فهل أعجبتكم؟

^_^

و صل اللهم و سلم على سيدنا محمد و آله و صحبه إلى يوم الدين

ورود و مزهرية

TF209-3

“مرض الحبيب فعدته ..  فمرضت من حذري عليه

شفي الحبيب فعادني .. فبرئت من نظري إليه”

الإمام الشافعي

_ ____ _

مرضتُ فأتى يزورني و بين يديه باقة صغيرة من الورود قد تزينت برذاذ لامع من ابتسامته.. سألني:

“أين يمكنني أن أضع الأزهار؟”

 

فأشرت إلى مزهرية كبيرة فاخرة لم تلبث ثوانٍ قليلة حتى ضمت تلك الوردات التي -من قِلـّتِها- غاصت وسط زخرفة المزهرية.. بان الامتعاض على وجهه و هو يردد بحرج:

“أنا آسف لأن الباقة صغيرة”

 

لكنني لم آبه فقد كانت تلك الزهور أجمل لدي من رياض العالم أجمع. و كانت ألوانها أزهى من كل تلك الزخرفات التي تملأ غرفتي، لأنها الأزهار التي امتزج عبيرها بعطر الرجل الذي أحب.

 

________

 

مرض فذهبت أزوره و أنا أحتضن بين ذراعيّ باقة كبيرة من الورود المختلفة. كنتُ قد اخترتها بنفسي و حملت كل واحدة فيها بحب و شغف.. سألته:

“أين يمكنني أن أضع الزهور؟”

فتردد قبل أن يشير بحرج إلى مزهرية زجاجية صغيرة و قد غزت زجاجها الباهت بعض الشقوق و الخدوش، و قال محرجا:

“يمكنكِ وضعها هناك”

نكس رأسه و ردد متأسفا:

“آسف، ليس لدي غيرها”

 

وضعتها فيها بسعادة و كأنني أرى أجمل مزهريات العالم. لم تكن بمثل زخرفة مزهريتي و لا بمثل اتساعها و لا بمثل فخامتها، حتى أنها قد ضاقت بكل تلك الورود، لكنها كانت جميلة جدا.

استدرت إليه لأراه يحاول النهوض من مكانه فتساءلت باستغراب:

“إلى أين؟”

رد بوهن ألزمه المرض إياه:

“إلى المطبخ، سأعد بعض القهوة”

 

أعدته إلى مكانه و قلت بحزم:

“أنت مريض و عليك ألا تتحرك.. ابق هنا و سأعد أنا القهوة”

 

حاول الاعتراض مجددا بنفس الإحراج:

“أعتذر.. إن مطبخي ليس لائقا كثيرا.. إنه…”

 

“يكفي !!!

لم أعرف كيف صرخت و لا من أين أتتني الرغبة أو الجرأة بالصراخ فأنا لم أكن غاضبة و لا ناقمة و لا متذمرة. كل ما في الأمر أنني سئمت اعتذاراته الكثيرة. كان صراخي بتلك الطريقة كفيلا بإلجامه الصمت لأبدأ أنا نثر كلماتي التي قد تبدد ضباب حيرته:

“آسف ! آسف ! آسف !! عم تعتذر بحق الله؟ لماذا تواصل القول أن كل ما لديك لا يليق بمقامي؟ أهكذا تراني دوما؟ مجرد فوارق خلقها المال بيننا؟ هذه الأمور التي تعتذر بشأنها طوال الوقت يا سيدي ليست سوى درجات دعمتها ركائز المال في سلم المجتمع. ما العيب في أن تكون فقيرا؟ ما العيب في أن تملك مطبخا رثا و لا تملك المال الكافي لتشتري لي باقة ورود أكبر؟”

اقتربت منه أستجدي نظرة لطالما تمنيتها منه و تابعت بهدوء:

“أتظن أنك أخطأت حين أحضرتَ باقة أصغر من مزهريتي؟ أم أنك أخطأت لأن مزهريتك لم تتسع لورودي؟”

 

لم أحصل على تلك النظرة التي رغبت بها فتابعت بهمس:

“إن كان ذلك ما يزعجك فلمَ لا تشاركني مزهريتك لأضع فيها باقة لا زالت تزين شحوب غرفتي؟ لمَ لا تدعني أشاركك مزهريتي لتضع فيها باقة اخترت لك كل وردة فيها بنبضة من قلبي؟”

 

و أخيرا بدأت تلك الملامح الوجلة -التي أكره- تنسحب بخذلان من وجهه لتبدأ ريشة السعادة برسم أخرى غيرها. نظر إليّ طويلا بتلكما العينين المتلألئتين و قد التهمت حدقتاه كل جزء من عيوني. لم أكن أظنني بذلك الضعف، فبعدما حصلت على تلك النظرة التي أريد انهارت دفاعاتي و سحبتني قدماي للتراجع هاربة، لكن يده القوية قد امتدت لتجذبني نحوه و ترميني بين أعطاف صدره الرحب:

“إذن هل يمكنكِ أن تشاركيني مزهريتي العتيقة في منزلي الرث؟ إنه خال من كل شيء تقريبا.. إلا من قلب غني.. غني جدا لأنه امتلأ بحبك”

صمت ليبحث عن كلمات مناسبة، لكنه وجد أن العبارة التقليدية التي انتهجها العشاق دوما ستكون ملجأه الوحيد للهروب من فقر الكلمات هذا فردد بعمق و دفء:

“هل تتزوجينني؟”

 

خفق قلبي بقوة، و تدافعت النبضات من صدري لتتمازج مع النبضات الراكضة بين أنفاسه. لم أرفع رأسي عنه و لم أشأ أن أبعد نفسي عن أحضانه. ربما لأنني شعرت هناك بأمان لم أجده في مكان غيره. ربما لأنني عثرت على المكان الذي عليّ أن أنتمي إليه حقا. ربما، لا، بل حتما لأنني فزت بالقلب الذي تمنيته دوما. تعثرت حروفي و هي تخرج من بين شفتي لتصل إلى قلبه قبل أذنيه:

“أحبك”

قلتها بوله كبير و أنا أنظر إلى منظر سحرني و شكرته كثيرا.. منظر جمع تعانق ورودي مع مزهريته بالتحام جميل بدد كل دافع للحيرة و التردد و كأنه يؤكد أن…

“ليس في الحب فوارق”

 

 

 

17/03/2013

سمية بن عبد الله فقير

_______